الأسواق التقليدية العمانية.. سياحة بعبق التاريخ والموروث الشعبي

مسقط – وجهات|

تعد الأسواق التقليدية العمانية أحد أبرز المزارات السياحية التي يقبل عليها الزائرين من داخل السلطنة وخارجها، وتقوم الجهات المعنية بجهود حثيثة للحفاظ على هذا الموروث السياحي والثقافي وتطويره بما لا يؤثر على حضارته وماضيه التليد، وتزدان هذه الأسواق بمنتجاتها التقليدية والتي يحرص السائح على اقتنائها، وتحكي حضارة عاشها الأجداد وموروث شعبي أصيل سيضل محفوراً فالذاكرة.

وتمتاز السلطنة بأسواقها الشعبية التاريخية التي يتجاوز عمر بعضها قرنين من الزمن، وعلى الرغم من اختلافها في محتواها من البضائع إلا أن جميعها تتفق في طرازها المعماري المستوحى من نمط العمارة الإسلامية، لذلك فإن تلك الأسواق تمثل نماذج رائعة من فنون العمارة والتراث العُماني الأصيل التي تعد من أكثر عوامل الجذب السياحي.

وتنقسم هذه الأسواق إلى أنواع عدة منها الموسمية التي تكون مرتبطة بمناسبات دينية معينة كسوق “هبطة العيد” الذي يتزامن مع عيدي الفطر والأضحى، والأخرى التي تكون متصلة بأيام من الشهر كسوق المضيبي، أو بالأسبوع كسوق سناو. أما النوع الآخر من هذه الأسواق فيتمثل في  الدائمة أو اليومية كسوق مطرح ونزوى وغيرها، وهذه ميزة تمتاز بها أسواق السلطنة إذ أنها تتناسب مع المواسم السياحية التي تلبي حاجة السائح من المعرفة والثقافة والتسوق.  

ويعتبر سوق مطرح أحد أهم الوجهات التي يقصدها السياح إلى السلطنة، حيث البناء المعماري التقليدي والممرات التي تزدان بمختلف المنسوجات والبضائع، وموقعه المتفرد بجوار البحر وخدماته المتنوعة، كلها من سوق مطرح أحد وجهات السياحية المميزة التي يتردد عليها الزوار.

ويشكل سوق نزوى مفرقا اقتصاديا وسياحيا هاما لولاية نزوى كونه من أهم وأعرق أسواق السلطنة، حيث يمتاز السوق بوفرة المنتجات التقليدية المتنوعة التي تستقطب أذواق السائحين من مختلف الجهات. ويعد يوم الجمعة من كل أسبوع هو أهم يوم لزيارة السوق كونه يوم إجازة، حيث يتجه السكان المحليين نحوه مبكرا حتى يكونوا أول من يضع يديه على أجود المعروضات والبضائع. كما يشهد السوق أهمية خاصة في الأسابيع التي تأتي بين عيدي الفطر والأضحى كون أن السوق يضم كافة مستلزمات العيد من الأضاحي والفواكه والحلوى العمانية والبهارات الخاصة باللحم والحلويات والمكسرات.

أما سوق الحصن “الحافة” في مدينة صلالة أحد أهم الأسواق شهرة في السلطنة، والذي يمتاز بموقعه المجاور لبحر العرب وعدد من مزارع النارجيل الشاسعة مما يجعل منه وجهة سياحية فريدة. ويمتاز السوق بعشرات المحلات الصغيرة المخصصة لبيع البخور واللبان، وهو ما يعكس اهتمام نساء المنطقة بصناعة البخور والعطور المختلفة، كما أنه عادة ما تعمل في هذه المحلات نساء كبيرات في السن يصطففن بزيهن التقليدي عارضات بضاعتهن. ولا بدّ لكل من يزور السلطنة وخصوصاً صلالة من المرور بسوق الحصن “الحافة” لشراء التذكارات وعلب البخور واللبان، وتذوّق اللحم المشوي على الجمر والأطباق العُمانية.

وعن أهمية الأسواق الشعبية، يقول محمد بن فاضل الحسني فنان تشكيلي وأحد المهتمين بالتراث العماني، أن الأسواق الشعبية إرث يتوارثه جيل بعد جيل، حيث تشكل نقطة جذب مهمة يقصدها السياح المحليين والوافدين. ويؤكد أن الناس يفضلون التسوق في هذه الأسواق لما تحويه من مقتنيات تراثية قديمة وأخرى عصرية تجسد حال السوق العماني قديما وحديثا وهو الأمر الذي ساعد على بقاء هذه الأسواق.

وأضاف الحسني أن هذه الأسواق تشكل أهمية اقتصادية كبيرة حيث أن أفواج كبيرة من السياح تقصدها باستمرار بحثا عن المقتنيات التاريخية القديمة، حيث أن هذه الأسواق تحوي كل ما هو شعبي وتقليدي كمحلات بيع التمور والحلوى العمانية، بالإضافة إلى السعفيات والأسماك المجففة.

من جانبه، يحدثنا ناصر الإسماعيلي أحد الباعة في سوق عبري بمحافظة الظاهرة، أن سوق عبري يعد من أبرز الأسواق الشعبية في عمان ازدهارا وشهرة، حيث كان مركزا لتبادل السلع والمنتجات قديما حينما كانت عبري ممرا للقافلات التجارية، وما زال يحتفظ برونقه وأهميته حيث يجاوره تماما حصن عبري الذي يمثل منارة تاريخية تجسد تاريخ عبري العريق.

ويؤكد الإسماعيلي أن السوق يحوي منتجات متنوعة من الملابس واللبان والبخور والعطور وماء الورد الجبلي، إضافة إلى المواد الغذائية كالبقوليات المزروعة محليا وغيرها المستوردة، كما يضم أيضا محلات لخياطة الملابس الرجالية وبيع مستلزماتهم إلى جانب محلات لبيع الذهب والفضة.

ويشير الإسماعيلي أن السوق يشهد حركة تجارية نشطة لا سيما في الأعياد والمناسبات الخاصة، كما يشهد أيضا حركة سياحية متزايدة لا سيما في العطلات حيث يقصد السوق أعداد كبيرة من السياح المحليين والأجانب للاستمتاع بمناظر الحصن الملاصق له والتبضع من منتوجات وسلع السوق.  

ويتجسد جمال وعطاء هذه الأسواق في إشادات زائريها وتجارها، حيث يذكر محمد نايف أحد تجار سوق مطرح،  أن الأسواق الشعبية مثل سوق مطرح ونزوى وبهلا وسوق الجمعة في بعض الولايات لها صدى كبير عند أهالي السلطنة، حيث يعتبرون هذه الأسواق مقصد رئيسي لشراء أهم المستلزمات كونها لا تتوفر في الأسواق والمراكز التجارية العصرية. ويؤكد أنه في ظل وجود مراكز التسوق الكبيرة والعروض المغرية التي تقدمها إلا أن هذا لم يقلل من حاجة الناس للأسواق الشعبية.   

ويوافقه بالرأي، ياسر البوسعيدي أحد تجار الأقمشة في سوق مطرح الذي يؤكد على أن الأسواق الشعبية تعد ملتقى اجتماعي واقتصادي تحقق للبائع والمشتري مكاسبهم، مشيرا إلى أن هذه الأسواق ما زالت تحتفظ بطابعها التقليدي وأهميتها منذ 200 عام.

كما يذكر رمضان زايد أحد زوار الأسواق الشعبية في السلطنة، أن حجم الاقبال على هذه الأسواق لم يتغير بل تشهد اقبال كبير وغير معتاد. وأشار بأن كثير من كبار السن من النساء والرجال يفضلون زيارة هذه الأسواق وذلك لارتباطها بذكريات الماضي لديهم،  كما أنها تمتاز بموقع جغرافي يتوسط الأحياء عادة مما يسهل الوصول إليها والتسوق منها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*