د. قاسم بن محمد الصالحي |
ليست عُمان مكاناً تذهب إليه لتلتقط صورة، ثم تمضي؛ فبعض الأمكنة لا تُلتقط صورها بالكاميرا، وإنما تُلتقط بشيء أعمق من ذلك: بذاكرة الإنسان.
في عُمان، قد يبدأ جمال الرحلة من جبلٍ شامخ، أو وادٍ أخضر، أو بحرٍ أزرق، أو قريةٍ معلقة على سفح الجبل؛ ولكن أجمل ما قد يبقى في ذاكرة الزائر ليس منظراً من هذه المناظر كلها، وإنما وجه عُماني قابله في الطريق، أو يدٌ امتدت إليه بالمساعدة، أو مجلسٌ فُتح له بغير موعد، أو فنجان قهوة قُدّم إليه كما لو أنه واحد من أهل الدار.
وهنا تكمن خصوصية السياحة العُمانية.
فالزائر لا يأتي إلى عُمان ليجد طبيعةً جميلة فحسب؛ فالطبيعة، على اتساع العالم، لها أشباه كثيرة. لكنه يأتي ليجد إنساناً يجعل من المكان معنى، ومن الضيافة موقفًا، ومن الترحيب لغةً لا تحتاج إلى ترجمان.
العُماني حين يستقبل ضيفًا لا يسأل أول الأمر: من أين جاء؟. ولا ماذا سيترك في صندوق الفندق؟. وإنما يتصرف على سجيته، كأن الضيف أمانة وصلت إلى عتبة بيته. يسأله عن الطريق، وعن حاجته، ويدله على المكان، وربما أصرّ أن يرافقه إليه. وإذا جلس، قُدّمت له القهوة والتمر قبل أن يُسأل عن اسمه.
وهذه ليست صناعة سياحية اخترعتها مكاتب السفر، ولا عبارةً كتبتها شركات التسويق على واجهاتها؛ إنها ثقافة إنسانية تشكلت في البيت العُماني، وتوارثتها الأجيال حتى أصبحت جزءًا من صورة الإنسان العُماني عن نفسه.
ولذلك، فإن قيمة السياحة في عُمان لا ينبغي أن تُقاس بعدد القادمين وحده، ولا بعدد الغرف الفندقية، ولا بما ينفقه السائح في أيام إقامته. ثمة قيمة أخرى لا تظهر في دفاتر الحسابات: أن يغادر الزائر وهو يحمل معه صورةً أجمل عن الإنسان.
وهذه، في ظني، أعظم ثروة سياحية يمكن أن تمتلكها عُمان.
فالأودية قد تبقى في الصور، والجبال قد تبقى في الذاكرة، والشواطئ قد تُنشر على صفحات التواصل؛ أما الإنسان الذي أحسن استقبالك، وابتسم لك دون أن يعرفك، وترك في نفسك شعوراً بأنك لم تكن غريباً تماماً، فذلك هو الذي يجعلك تقول بعد العودة: لقد زرت عُمان، ولكن عُمان هي التي بقيت معي.
إن السياحة في عُمان ليست رحلةً إلى مكان، بقدر ما هي لقاءٌ بإنسان.
وهنا، تحديداً، ينبغي أن نفهم سرّها؛ عُمان سياحةٌ تُرى بالعين، وتُلامس القلب، وتبقى في الذاكرة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة