مقال| حين هاجر العُمانيون داخل عُمان

د. قاسم بن محمد الصالحي |

لم تكن عُمان يوماً أرضاً يسكنها الناس في أماكنهم ثم يغلقون خلفهم أبواب المكان.

كانوا يتحركون.

يمشون مع الماء إذا شحّ، ومع النخلة إذا أينعت، ومع البحر إذا فتح لهم رزقاً، ومع السوق إذا تغيّرت طرق التجارة. يتركون قرية ليبنوا في أخرى بيتاً، ويغادرون وادياً إلى ساحل، ثم يعود أحفادهم بعد زمن فيبحثون عن اسم جدّهم في جدار قديم، أو نخلة عتيقة، أو مسجد ما زال المؤذن فيه يرفع الأذان فوق حجارة يعرفها التاريخ أكثر مما يعرفها الناس.

ولهذا فإن قراءة تاريخ عُمان لا تكتمل إذا قرأنا القبائل باعتبارها أسماء ثابتة، ولم نقرأها باعتبارها جماعات بشرية تحركت داخل وطنها.

ومن أجمل ما يمكن أن يُروى في هذا الباب حكاية الصوالح.

في بهلاء كانت لهم حارة تحمل اسمهم.

بيوت، ومسجد، وأرض، ونخيل، وحياة كاملة.

ثم جاء زمن الرحيل.

خرج أهل الحارة من بهلاء إلى السويق، ولم يعودوا إليها كما تروي الذاكرة المحلية. بقيت البيوت بعدهم زمناً، وبقيت الأملاك، ثم آلت إلى بيت مال المسلمين، وبقي المسجد شاهداً على قوم مروا من هنا ذات يوم، ثم حملوا حياتهم إلى مكان آخر.

تأملوا المشهد قليلاً.

الذين غادروا أخذوا معهم أبناءهم وذكرياتهم وأسماءهم، لكنهم تركوا وراءهم الأرض.

أما الأرض فلم تغادر.

ظلت تنتظر.

ثم إن الإنسان حين يرحل لا يستطيع أن يأخذ المكان كله معه؛ فيترك شيئاً منه في الموضع القديم، ويحمل شيئاً من المكان الجديد إلى قلبه.

وهكذا ظهر للصوالح في السويق موضع يحمل اسمهم: حلة الصوالح.

وكأن الاسم نفسه كان خيطاً ممتداً بين بهلاء والسويق؛ يقول إن الذين رحلوا لم يقطعوا صلتهم بالمكان الأول، بل أعادوا كتابة ذاكرتهم في المكان الثاني.

ثم يأتي لوريمر في مطلع القرن العشرين، فيجد الصوالح ضمن سكان السويق، يعيشون حياة الساحل والزراعة والصيد، إلى جانب جماعات أخرى.

وهنا لا تعود القصة قصة قبيلة.

تصبح قصة عُمان.

فالسؤال الحقيقي ليس: من كان أولاً؟.

السؤال الأجمل: كيف تحرك الناس داخل وطنهم، وكيف صنعت تلك الحركة عُمان التي نعرفها اليوم؟.

لقد جاءت جماعات من الداخل إلى الساحل، وتحركت جماعات من الساحل إلى الداخل، وانتقلت أسر من قرية إلى أخرى، وتجاورت القبائل، وتداخلت المصالح، وتشابكت المصاهرات، وتبدلت المهن، وولد من ذلك كله مجتمع لم يكن ساكناً كما توهمنا كتب الأنساب أحياناً، بل كان يتحرك مثل الماء في الفلج؛ يأخذ مجراه من مكان إلى مكان، ولكنه يظل ماءً واحداً.

ولذلك فإن الهجرة القبلية في عُمان ليست قصة اقتلاع، بل في كثير من صورها قصة إعادة تشكل.

كان البيت القديم يظل شاهداً على الأصل، والبيت الجديد يصبح شاهداً على الامتداد.

وكان الاسم يسافر أحياناً أبعد من صاحبه.

وقد يمر رجل اليوم بحلة من حلال عُمان، فيقرأ اسمها ولا يخطر بباله أن وراء ذلك الاسم رحلة طويلة: رجال حملوا متاعهم، ونساء أودعن جاراتهن، وأطفال لم يكونوا يعرفون أن القرية التي يغادرونها ستصبح بعد قرن صفحة من التاريخ.

كم من أسماء الأماكن في عُمان هي في حقيقتها أسماء مهاجرين!

وكم من نخلة تقف اليوم في غير الأرض التي غُرست فيها أول نخلة في ذاكرة أصحابها!

وكم من عائلة تحمل في وجدانها جغرافيا أوسع من عنوانها!

من هنا، فإن إنصاف تاريخ الهجرات الداخلية يقتضي ألا نحوله إلى مفاضلة قبلية أو إلى بحث عن سبقٍ يمنح جماعة حقاً في المكان وينفيه عن غيرها.

فالوطن لا يصبح أوسع لأن قبيلة تقول «هذه أرضي»، وإنما يصبح أعمق حين ندرك أن أرضه كانت تتسع للجميع، وأن الجميع ترك فيها شيئاً منه.

الصوالح في بهلاء ليسوا حكاية انفصال عن المكان، كما أن الصوالح في السويق ليسوا حكاية انتصار على المكان.

إنهما فصلان من كتاب واحد.

في الأول بيت بقي بعد الرحيل.

وفي الثاني حلة بقي فيها الاسم.

وبين البيت والحلة مسافة قطعها بشر، لا حدود.

وهذه هي عُمان التي لا تظهر كلها على الخرائط.

عُمان التي صنعتها الأقدام قبل أن ترسمها الأقلام.

عُمان التي كانت القبيلة فيها تحمل خيمتها، والقرية تحمل اسمها، والنخلة تحفظ صاحبها، والمسجد يحفظ صوت الذين مروا به.

وحين ننظر اليوم إلى تلك الهجرات بعين هادئة، ندرك أن آباءنا لم يكونوا أسرى الجغرافيا؛ كانوا يعرفون أن الوطن أكبر من القرية، وأن الرزق قد يكون وراء الجبل، وأن البحر قد يكون امتداداً للصحراء، وأن الرحيل أحياناً ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها.

لذلك ربما آن لنا أن نعيد قراءة تاريخنا من زاوية أخرى.

لا نسأل فقط: من أين جاء هؤلاء؟

بل نسأل أيضاً:

إلى أين ذهبوا؟. وماذا تركوا وراءهم؟ ة. وماذا أضافوا إلى المكان الذي استقروا فيه؟.

فالتاريخ ليس فقط ما يبقى في الكتب.

أحياناً يكون التاريخ بيتاً خالياً في بهلاء، وحلةً عامرة في السويق، واسماً لا يزال الناس ينادون به بعد مئات السنين.

وهكذا، حين يمشي الإنسان في عُمان، قد يظن أنه يمشي في مكان واحد.

لكنه في الحقيقة يمشي فوق خطوات أجيال كاملة هاجرت داخل وطنها، ثم تركت لنا وطناً أكثر اتساعاً من حدود الرحلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*