د. قاسم بن محمد الصالحي |
لا يبدو أن العالم ينتظر أحداً. فبينما تنشغل الأمم المتقدمة ببناء منظومات الذكاء الاصطناعي، والسيطرة على البيانات، وامتلاك الفضاء، وصناعة الرقائق الإلكترونية، وتطوير الاقتصاد المعرفي، لا يزال جزء من عالمنا الإسلامي يستهلك طاقته في معارك لم تعد تضيف إلى الحضارة علماً، ولا إلى الإنسان كرامة، ولا إلى الأمة قوة.
وليس معنى ذلك أن الخلاف الفقهي مذموم، فاختلاف الاجتهاد سنة من سنن العقول، وقد عرفه المسلمون منذ الصدر الأول، ولم يمنعهم من بناء حضارة أضاءت العالم. وإنما المذموم أن يتحول الاجتهاد إلى خصومة، والمذهب إلى هوية مغلقة، والخلاف إلى قطيعة بين الشعوب والدول.
إن القرآن الذي جمع المسلمين على كلمة التوحيد، لم يُرد لهم أن يجعلوا من الفروع سببًا لتبديد الطاقات، بل أرادهم أمة شاهدة على الناس، قادرة على حمل رسالة العمران والعدل والخير. ولا تكون الأمة شاهدة وهي ممزقة، ولا تكون مؤثرة وهي تستورد مستقبلها من غيرها.
لقد تغيرت طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين؛ فلم تعد تُقاس بعدد الجيوش وحدها، بل بما تملكه الأمم من علم، وابتكار، وتقنية، واقتصاد، وقدرة على إنتاج المعرفة. والدول الإسلامية، بما تملكه من ثروات بشرية وطبيعية وموقع جغرافي استثنائي، قادرة على أن تكون شريكًا في صناعة المستقبل، إذا أحسنت إدارة اختلافها، وجعلت التعاون مقدّمًا على التنازع.
إن إصلاح ذات البين بين الدول الإسلامية لم يعد خياراً دبلوماسياً فحسب، بل أصبح ضرورة استراتيجية. فالتحديات التي تواجهها لا تعترف بالمذاهب، ولا بالحدود السياسية، ولا بالاصطفافات الضيقة. الأمن الغذائي، والأمن السيبراني، والطاقة، والمياه، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، كلها ملفات لا يمكن لدولة أن تواجهها منفردة، مهما بلغت إمكاناتها.
وليس المطلوب أن تتخلى الدول عن خصوصياتها، ولا أن تتنازل المذاهب عن اجتهاداتها، وإنما المطلوب أن يكون القرآن والسنة الجامع الأعلى، وأن تكون المصالح المشتركة ميدانًا للتعاون، وأن يُدار الاختلاف بالحكمة والعدل، لا بالخصومة والإقصاء.
لقد آن للأمة أن تنتقل من سؤال: «من الأحق؟» إلى سؤال: «كيف ننهض؟». وأن تستبدل منطق الغلبة بمنطق الشراكة، ومنطق الانقسام بمنطق التكامل. فالعالم الجديد لا يحجز مكاناً للمتخاصمين، وإنما يفسح المجال للأمم التي تعرف كيف توحد طاقاتها، وتحول تنوعها إلى مصدر قوة.
إن التاريخ لا يرحم الأمم التي تعيش في ماضيها، بينما يُصنع المستقبل أمام أعينها. وما أحوج العالم الإسلامي اليوم إلى مصالحة مع ذاته، تُعيد ترتيب الأولويات، وتجمع القلوب قبل المواقف، حتى تستأنف الأمة دورها الحضاري، لا بوصفها أمةً تبحث عن مكان في العالم، بل أمةً تسهم في صناعة عالم أكثر عدلًا ورحمةً وإنسانية.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة