مقال | في مديح التفكر.. والخروج من الكهف

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليس الإنسان كائناً يبحث عن الحقيقة كما يزعم، بل كائنٌ يبحث عن مأوى. والحقيقة ليست مأوى؛ إنها أفق مفتوح لا يستقر على صورة، ولا يمنح الطمأنينة لمن يخشى الرحلة. لذلك يبني الإنسان من معتقداته بيتاً، ومن يقينياته جدراناً، ثم يسمي ذلك كله: العالم.

غير أن العالم الذي نراه ليس بالضرورة العالم الذي يوجد، بل العالم الذي ألفناه حتى غدا جزءاً من وعينا. فنحن لا ننظر إلى الأشياء كما هي، وإنما كما اعتدنا أن نراها، وكما تمنحنا القدرة على الاستمرار دون أن تهتز صورنا عن أنفسنا.

لهذا لا يحرس الإنسان الحقيقة بقدر ما يحرس صورته عنها. إنه يدافع عن تفسيره للوجود أكثر مما ينفتح على الوجود نفسه. فحين تهدد الحقيقة يقينه، لا يسارع إلى مراجعة يقينه، بل يسارع إلى مقاومة الحقيقة؛ لأن انهيار الفكرة قد يبدو له انهياراً للذات.

وهكذا، لا يعيش الإنسان داخل الواقع، بل داخل تأويله للواقع. وما يسميه حقيقة ليس إلا توافقًا طويلاً بين ذاكرته، ومخاوفه، ورغباته، وانتماءاته. ومن هنا تصبح معارك البشر أقل ارتباطاً بالوقائع، وأكثر ارتباطًا بالدفاع عن الصور التي صنعوها لتلك الوقائع.

لقد تغيرت الكهوف، لكنها لم تختفِ. كانت يوماً من صخر، وأصبحت اليوم من أفكار، وهويات، وخوارزميات، ومنصات رقمية تعيد إلى الإنسان صدى صوته حتى يظن أن العالم كله يتحدث بلغته. وكلما اتسع صدى الرأي، ضاق أفق الرؤية.

إننا نعيش زمناً يمكن وصفه بأنه عالم اللايقين. ليس لأن الحقيقة اختفت، بل لأن الواقع أصبح أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في يقين واحد أو تفسير واحد. تتغير موازين القوى، وتتبدل القيم، وتتسارع المعرفة، وتنهار السرديات التي ظنها الإنسان نهائية. ومع ذلك، لا يزال العقل يفتش عن يقين ثابت في كونٍ لا يعرف السكون.

لكن اللايقين ليس عدو الإنسان، بل قد يكون شرط نضجه. فالخوف من اللايقين هو الذي يدفعنا إلى صناعة الأصنام الفكرية، وإلى تحويل الآراء إلى عقائد، والعقائد إلى هويات مغلقة. أما التفكر، فهو الذي يبقي العقل حياً، ويمنحه القدرة على العبور من فكرة إلى أخرى دون أن يفقد ذاته.

ولذلك، ليست الحكمة أن نمتلك جواباً نهائياً، بل أن نمتلك شجاعة التفكر الدائم. فالتفكر ليس نقيض اليقين، بل نقيض الجمود. وحين يتوقف الإنسان عن التفكر، يبدأ في عبادة ما وصل إليه، ويغدو اليقين قيدًا بدل أن يكون نورًا. أما الحقيقة، فلا تكشف وجهها إلا لمن يعاملها بوصفها أفقًا يُقترب منه، لا غنيمةً امتلكها إلى الأبد.

إن أخطر الأصنام ليست تلك التي تُنصب في الساحات، بل تلك التي تُنصب في العقول. فحين يتحول الرأي إلى نهاية الطريق، يتوقف العقل عن السير. وحين يظن الإنسان أنه امتلك الحقيقة كاملة، يكون قد أغلق الباب الذي تدخل منه الحقيقة ذاتها.

وربما لا يكون الخروج الحقيقي من الكهف أن نرى الضوء مرة واحدة، بل أن ندرك أن كل ضوء قد يخلف وراءه ظلًا، وأن كل يقين يحتاج إلى تفكر، وأن كل حقيقة هي دعوة إلى حقيقة أوسع منها.

فالإنسان لا يسمو بما يملك من أجوبة، وإنما بما يملك من قدرة على إعادة النظر فيها. وهناك، في تلك المسافة الفاصلة بين اليقين والتفكر، يولد الوعي، ويبدأ الإنسان رحلته الحقيقية نحو الحرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*