مقال | الريف الظفاري.. ثروة سياحية واقتصادية تنتظر الانطلاقة

د. ناصر بن علي الجهوري|

تتجه قوافل المسافرين سنوياً نحو محافظة ظفار للاستمتاع بموسم الخريف وما يحمله من أجواء استثنائية وطبيعة ساحرة. وبالنظر للمقومات الثرية والمتعددة التي تمتلكها محافظة ظفار من بيئات متنوعة، يلفت الانتباه وجود كنز تنموي كبير غير مستثمر، حتى الآن. إنه ذلك الريف الظفاري الجميل.

تعد السياحة الريفية من أسرع الأنماط السياحية نمواً، لما توفره من تجارب أصيلة تجمع بين الطبيعة والثقافة والتفاعل مع المجتمعات المحلية، وهي مقومات تتوافر في الريف الظفاري بصورة استثنائية.

فالريف الظفاري يمتلك تنوعاً بيئياً فريداً؛ من الجبال الخضراء إلى الأودية الجارية، ومن المزارع التقليدية إلى المراعي المفتوحة، ومن القرى ذات الطابع الأصيل إلى الموروث الثقافي والاجتماعي العريق. كما يحتضن منتجات محلية ذات قيمة اقتصادية، تشمل الألبان والعسل والبخور واللبان والصناعات الحرفية، وهي جميعها عناصر يمكن أن تشكل منظومة اقتصادية متكاملة في قرى الريف الظفاري، مثل: طوي أعتير، وزيك، وألسان، وشير، وطيطام، غدو، وافتلقوت، وشهب أصعيب وغيرها. 

ولعل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع السياحي يتمثل في تركز الحركة السياحية في عدد محدود من المواقع. ومن هنا تبرز أهمية توجيه جزء من الاستثمارات والبرامج نحو الريف، بما يسهم في توزيع الحركة السياحية على نطاق أوسع، وتحقيق عوائد اقتصادية مباشرة. 

إن ذلك الاستثمار لا يتطلب بالضرورة مشروعات ضخمة أو بنية أساسية معقدة، بل يمكن أن يبدأ بمبادرات عملية، مثل إنشاء النُزل الريفية الصغيرة، وتطوير مسارات المشي الريفي، وتنظيم الرحلات الزراعية، ودعم الأسواق الريفية، وتمكين الأسر المنتجة من عرض وتسويق منتجاتها. 

كما يمكن استثمار المدارس والمراكز المجتمعية والمرافق القائمة خلال الموسم السياحي في تنظيم الفعاليات المتنوعة، بما يعزز من الحراك الاقتصادي ويخلق فرصاً إضافية للشباب والنساء ورواد الأعمال. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بحجم الإنفاق فقط، وإنما بقدرتها على إشراك المجتمع المحلي في صناعة الفرص والاستفادة منها.

ومن الجوانب المهمة كذلك ربط الريف الظفاري بالاقتصاد الأخضر والسياحة المستدامة، من خلال المحافظة على الموارد الطبيعية، وتشجيع استخدام الطاقة النظيفة، وتنظيم الأنشطة السياحية بما يضمن حماية البيئة وعدم الإضرار بالمواقع الطبيعية.

إن نجاح الريف الظفاري كوجهة سياحية واقتصادية يتطلب شراكة فاعلة، تقوم على رؤية واضحة تستثمر المقومات المتاحة وتطويرها بصورة مدروسة. وبذلك يمكن بناء اقتصاد محلي مستدام قادر على خلق الوظائف وتنويع مصادر الدخل وتحقيق التنمية المتوازنة. 

إن ظفار تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتوسيع خارطة الاستثمار السياحي، والانتقال من التركيز على المواقع المتعارف عليها إلى استثمار كامل الجغرافيا الريفية للمحافظة. وعندما يتحول الريف الظفاري إلى وجهة متكاملة، فسيشكل رافداً اقتصادياً استراتيجياً يعزز مكانة ظفار وسلطنة عُمان على خريطة السياحة المستدامة. فالريف الظفاري ثروة وطنية متجددة، كلما أحسنا استثمارها، ازدادت قيمةً وعطاءً وأثراً في الاقتصاد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*