مقال | نحو حراك مسرحي يمد جسور العطاء للسياحة والتنمية

د. ناصر بن علي الجهوري |

تواصل سلطنة عُمان ترسيخ مكانتها بوصفها وجهة ثقافية وسياحية متفردة في المنطقة، مستندة إلى إرث حضاري عريق، ورؤية تنموية تدرك أن الثقافة ليست نشاطاً ترفيهياً هامشياً، بل رافداً تنموياً يعزز القيمة المضافة والحضور الوطني في المحافل الإقليمية والدولية.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت السلطنة تنوعاً لافتاً في الفعاليات والمناشط الثقافية التي أسهمت في تنشيط الحركة السياحية، واستقطاب الزوار، وإبراز المكونات الحضارية العُمانية بصورة معاصرة تجمع بين الأصالة والتجديد.

وفي هذا السياق، يبرز المسرح بوصفه أحد أهم الفنون القادرة على تجسيد الثقافة ونقلها إلى الجمهور المحلي والدولي. فالمسرح نافذة للحوار، وأداة للوعي، وجسر للتواصل بين الشعوب والثقافات.

وتشهد محافظة ظفار خلال الفترة الحالية حراكاً مسرحياً وثقافياً متميزاً من خلال استضافتها لمهرجان ظفار المسرحي الدولي الثاني، الذي يمثل إضافة نوعية للمشهد الثقافي العُماني، ويعكس قدرة السلطنة على استضافة الفعاليات الدولية التي تستقطب المبدعين والمهتمين بالفنون المسرحية.

كما تستضيف جامعة التقنية والعلوم التطبيقية مباشرة بعد مهرجان ظفار المسرحي، المهرجان المسرحي السابع لجامعات ومؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بمدينة صلالة. ويُعد هذا الحدث الثقافي منصة تجمع الطلبة والمبدعين والمختصين في المسرح، بما يسهم في تعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين أبناء دول مجلس التعاون، وترسيخ القيم المشتركة والهوية الخليجية.

إن أهمية مثل هذه المهرجانات لا تقتصر على الجانب الثقافي فقط، بل تمتد لتشمل أبعاداً سياحية واقتصادية واجتماعية متعددة. فحضور الوفود والزوار يسهم في تنشيط قطاعات الإيواء والنقل والأسواق وغيرها، كما ينعكس إيجاباً على الترويج للمقومات السياحية للسلطنة.

ومن جانب آخر، تمثل هذه الفعاليات فرصة مثالية لتعريف الضيوف بالثقافة العُمانية وقيم المجتمع وتاريخه، وترسيخ صورة الحوار والانفتاح الحضاري. كما تتيح للمواهب الشبابية مساحة أوسع للإبداع والابتكار والتفاعل مع التجارب المختلفة.

ولعل المرحلة المقبلة تتطلب مزيداً من التكامل بين القطاعات الثقافية والسياحية والإعلامية والاقتصادية، بحيث تُبنى حول الفعاليات الكبرى برامج متكاملة، بما يضاعف من أثرها ويحولها إلى منتجات سياحية وثقافية مستدامة.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور المأمول من مشروع المسرح الوطني الجاري إنشاؤه بوصفه خطوة استراتيجية مهمة لتعزيز البنية الأساسية للمسرح العُماني. إذ يُنتظر أن يشكل هذا المشروع منصة احترافية متكاملة تحتضن الإنتاج المسرحي العُماني، وتدعم المواهب، وتوفر بيئة متكاملة للتدريب والإنتاج والعرض، بما يسهم في نقل المسرح العُماني إلى مستويات أكثر حضوراً وتأثيراً إقليمياً ودولياً، ويعزز دوره كأداة فاعلة في التنمية الثقافية والسياحية.

إن الاستثمار في الثقافة ضرورة تنموية واستراتيجية لتعزيز الاقتصاد المعرفي وتنويع مصادر الدخل. وعندما تلتقي الثقافة بالسياحة، ويلتقي المسرح بالمكان، تتحول الفعاليات إلى منصات للتنمية وجسور للتواصل الإنساني، وتصبح كل خشبة مسرح نافذة جديدة يطل منها العالم على عُمان؛ أرض الحضارة، وموطن الجمال، وملتقى الثقافة، والسلام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*