د. قاسم بن محمد الصالحي |
في حكايات العرب امرأة كانت ترى ما لا يراه الآخرون. تقف على مرتفع، وتمتد عيناها إلى أبعد من الأفق، فتلتقط حركة الأشياء قبل أن تتضح ملامحها. إنها زرقاء اليمامة، التي أبصرت ذات يوم جيشاً يقترب متخفياً وراء أغصان الشجر، فأسرعت تحذّر قومها. غير أنهم لم يروا ما رأته، ولم يسمعوا في تحذيرها سوى غرابة القول. وحين انكشف المستور، كان الجيش قد بلغ ديارهم، وكانت البصيرة التي استهانوا بها قد تحولت إلى حكاية يرويها التاريخ.
ولعل الحكاية لم تبقَ في الذاكرة العربية لأنها تتحدث عن قوة البصر، بل لأنها تكشف عن ضعف أعمق: أن يرى الإنسان الخطر ولا يدركه، وأن يسمع التحذير ولا يستجيب له، وأن يكتشف متأخراً أن ما ظنه بعيداً كان يقترب منه منذ زمن.
واليوم، تقف منطقتنا أمام أفق تتداخل فيه الغيوم، وتتزاحم فيه المصالح والحسابات، وتتشابك فيه الجغرافيا بالسياسة والاقتصاد والأمن. لم تعد الأخطار تأتي دائماً في صورة جيوش تعبر الحدود، أو مواجهات تعلن بدايتها ونهايتها؛ فقد تتسلل عبر اضطراب الممرات البحرية، أو سباق النفوذ، أو تصاعد الشكوك، أو تآكل الثقة، أو تحول الخلافات السياسية إلى مساحات مفتوحة للتدخلات والمنافسات. وقد تبدأ الأزمة في مكان، ثم لا تلبث أن تمتد آثارها إلى أماكن لم تكن طرفاً فيها.
لكن السؤال الأهم ليس: هل ترى المنطقة ما يقترب منها؟ بل: ماذا تفعل بما تراه؟ فالرؤية وحدها لا تصنع الأمن، والمعرفة وحدها لا تمنع الخطر، والتحذير مهما بلغت دقته يظل ناقص الأثر إن لم يتحول إلى إرادة مشتركة وقرار مسؤول.
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الأمن لا يمكن أن يبقى رهينة توازنات القوة وحدها، ولا أن يستمد استقراره بصورة دائمة من تفاهمات تُعقد بعيداً عن إرادة دوله ومصالح شعوبه. فالقوة قد تمنع اعتداءً، لكنها لا تبني بالضرورة ثقة؛ والردع قد يؤجل مواجهة، لكنه لا يزيل أسبابها؛ والاستقواء بالخارج قد يوفر ضمانة مؤقتة، لكنه لا يغني عن تفاهم الجوار، ولا يعفي دول المنطقة من مسؤوليتها عن أمنها ومستقبلها.
وليس المقصود أن تستغني المنطقة عن علاقاتها الدولية أو أن تتجاهل مصالح القوى المؤثرة فيها، فالعالم شبكة من المصالح المتداخلة، لكن الحكمة تقتضي ألا يكون مستقبل الأمن الإقليمي مجرد انعكاس لتفاهمات الآخرين أو تنافساتهم. فالأطراف البعيدة قد تتغير حساباتها، وقد تتبدل أولوياتها، أما الجغرافيا فتبقى، والجوار لا يمكن تغييره، والمصالح المشتركة لا تستطيع الحدود السياسية أن تلغيها.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من منطق إدارة الخلافات إلى بناء قواعد تمنع تحولها إلى صراعات؛ ومن سياسة الشك المتبادل إلى مساحات تدريجية من الثقة والتحقق؛ ومن ردود الفعل المؤقتة إلى منظومة أمن إقليمي تقوم على احترام السيادة، وعدم الاعتداء، وتسوية النزاعات بالحوار، والتشاور في القضايا التي تمس استقرار المنطقة وممراتها ومقدراتها. فالأمن المستدام لا يتحقق حين يطمئن طرف إلى ضعف الطرف الآخر، بل حين يطمئن الجميع إلى أن مصالحهم لن تكون موضع تهديد.
وليس في ذلك افتراض أن الطريق سهل، أو أن تراكمات الماضي يمكن أن تتبدد بعبارة دبلوماسية أو لقاء عابر. فالثقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُبنى بالمواقف والالتزامات، وتُختبر عند الاختلاف قبل أوقات الوفاق. كما أن الاتفاق على مبادئ حسن الجوار وعدم الاعتداء لا تكون له قيمة حقيقية ما لم تسنده آليات واضحة للتشاور، والتحقق، ومعالجة الأزمات، ومنع سوء التقدير. فالمبادئ التي لا تجد طريقها إلى الممارسة تظل كلمات جميلة في ذاكرة المؤتمرات.
إن البصيرة التي تحتاج إليها المنطقة اليوم ينبغي أن تكون أبعد من بصيرة زرقاء اليمامة؛ بصيرة لا تكتفي برؤية الخطر وهو يقترب، بل تتساءل عن أسبابه، وعن البيئة التي تسمح له بالنمو، وعن المصالح التي تغذيه، وعن السبل التي تحول دون وقوعه. والأهم من ذلك أن تدرك أن الوقاية من الصراع ليست مسؤولية طرف واحد، وأن أمن الجار ليس منّة تُقدم إليه، بل مصلحة تعود على الجميع.
فكم من أزمة كان يمكن احتواؤها لو سبقت الثقةُ الشك، وكم من مواجهة كان يمكن تجنبها لو وُجدت قنوات للحوار حين كانت الخلافات لا تزال قابلة للإدارة. وكم من فرصة ضاعت لأن كل طرف انتظر من الآخر أن يبدأ، بينما كانت الأخطار تتقدم في المسافة الفاصلة بينهما.
إن الحكمة ليست في أن تتشابه الدول في مواقفها، ولا في أن تتنازل عن مصالحها، بل في أن تعرف كيف تحمي مصالحها دون أن تهدم مصالح جيرانها، وكيف تختلف دون أن تقطع جسور التواصل، وكيف تستند إلى قوتها دون أن تجعل القوة بديلاً عن السياسة. فليس كل انتصار في ميزان القوة انتصاراً في ميزان الاستقرار، وليس كل هدوء دليلاً على أن أسباب العاصفة قد زالت.
وربما كانت زرقاء اليمامة ستجد في عالم اليوم ما هو أكثر من الأشجار المتحركة؛ أقماراً ترصد، ومراكز تحلل، وعيوناً تراقب ما وراء الحدود والبحار. لكن هذه الأدوات، على أهميتها، لن تكون كافية ما لم تتوافر إرادة تصغي إلى التحذير، وعقول تتجاوز الحسابات الآنية، وقيادات تدرك أن الوقاية من الخطر أرفع كلفةً في التفكير، لكنها أقل كلفةً بكثير من مواجهة نتائجه.
لقد رأت زرقاء اليمامة الجيش قبل أن يصل، لكن قومها لم يمتلكوا الحكمة التي تحول الرؤية إلى نجاة. أما منطقتنا، فما زال أمامها متسع لتختار طريقاً آخر؛ طريقاً لا تنتظر فيه حتى تتكشف الأخطار فوق رؤوس الجميع، ولا تجعل من الأزمات المتكررة قدراً لا يمكن تغييره، بل تؤسس لأمن يقوم على التفاهم والاحترام والمسؤولية المشتركة.
فليست الحكمة أن نرى الأشجار وهي تتحرك في الأفق فحسب، بل أن نتفق قبل وصولها على ألا تتحول أرضنا إلى ساحة لمعركة لا ينتصر فيها أحد.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة