مقال | عُمان والصين.. خصوصية الدبلوماسية وآفاق الشراكة

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست العلاقات بين عُمان والصين وليدة حسابات السياسة الحديثة، بل حكاية تواصل حضاري نسجتها طرق التجارة، وحفظتها ذاكرة البحر، وجدّدتها إرادة شعبين ينتميان إلى حضارتين عريقتين. فمنذ قرون، حملت السفن العُمانية شراعها نحو الموانئ الصينية، لتؤكد أن عُمان عرفت العالم مبكراً، وأدركت أن التواصل مع الشعوب يفتح أبواباً للتجارة والتفاهم، ويصنع جسوراً تتجاوز المسافات والاختلافات.

ومع زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى جمهورية الصين الشعبية، تتجدد هذه الحكاية في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتتزايد فيه الحاجة إلى شراكات تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.

منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1978، مضت مسقط وبكين في مسار من التعاون والتفاهم، ارتقى إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2018. وتكتسب هذه العلاقة أهمية تتجاوز أبعادها الاقتصادية، لأنها تتيح قراءة خصوصية الدبلوماسية العُمانية؛ دبلوماسية تستند إلى الحوار، وتحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وتتجنب الارتهان لمحاور الاستقطاب، وتؤمن بأن الاختلاف في المواقف لا ينبغي أن يغلق أبواب التفاهم.

خصوصية الدبلوماسية العُمانية أنها تجمع بين وضوح الثوابت ومرونة الوسائل؛ فهي لا تجعل الانفتاح تنازلاً، ولا تجعل الاستقلال انعزالاً، بل تسعى إلى بناء علاقات متوازنة تحفظ القرار الوطني وتوسّع مجالات التعاون. وفي هذا النهج، لا يُنظر إلى الحوار باعتباره علامة تردد، بل أداة لفهم المواقف وتقريب وجهات النظر، ولا تُقاس العلاقات بمدى التطابق السياسي وحده، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف وصون المصالح المشتركة.

وقد تشكّل هذا النهج عبر تاريخ عُمان البحري وتجربتها الطويلة في التواصل مع شعوب آسيا وإفريقيا، كما تعزّز من خلال سياسة خارجية تولي حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة الدول أهمية مركزية. ومن هنا، تسعى مسقط إلى أن تكون مساحة للتقارب، وأن تؤدي دوراً في تيسير الحوار حين تتاح الظروف، بعيداً عن الضجيج، وقريباً من لغة التفاهم والحلول الممكنة.

وتمنح الشراكة مع الصين هذا النهج مجالاً عملياً واسعاً. فالصين بما تملكه من قدرات صناعية وتقنية واستثمارية، تمثل شريكاً مهماً في مساعي عُمان لتنويع اقتصادها وتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040. وتبرز فرص التعاون في الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، إلى جانب المنطقة الصناعية الصينية العُمانية في الدقم، بما يدعم الإنتاج المحلي ونقل المعرفة وتوفير فرص العمل.

غير أن نجاح الشراكات لا يُقاس بحجم الاستثمارات وحده، بل بما تضيفه إلى الاقتصاد الوطني، وما تتيحه من فرص للكفاءات العُمانية، وما تحققه من منافع مستدامة للطرفين. فالدبلوماسية التي تفتح الأبواب ينبغي أن تفضي إلى نتائج ملموسة، تجعل التعاون السياسي رافعة للتنمية والتقدم.

إن زيارة جلالة السلطان إلى الصين فرصة لتعميق مسار يجمع عراقة العلاقات بطموحات المستقبل، ويؤكد أن عُمان تستطيع توسيع شراكاتها الدولية من دون التفريط باستقلال قرارها أو ثوابتها.

وفي عالم تتشابك فيه المصالح وتشتد فيه المنافسة، تظل الرسالة العُمانية واضحة: الحوار نهج، والتوازن خيار، واحترام الآخرين طريق إلى شراكات أكثر استقراراً واستدامة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*