مقال | حين تتحدث عُمان عن أمن الخليج.. من إدارة الأزمات إلى صناعة الأمن المشترك

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في محاضرته عن الأمن الشامل في الخليج، قدّم وزير الخارجية العُماني، السيد بدر بن حمد البوسعيدي، طرحاً يستحق الإشادة، لا بأفكاره وحدها، بل بأسلوب عرضه أيضاً؛ فقد جمع بين هدوء اللغة ووضوح الرؤية، واستحضر التاريخ من دون أن يغفل تعقيدات الحاضر. وفي منطقة أنهكتها الأزمات، بدا حديثه دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن: أهو توازن دائم للخوف، أم مسؤولية مشتركة تستطيع دول المنطقة أن تسهم في صياغتها؟.

تنبع أهمية الطرح من أن الخليج ليس مجرد رقعة جغرافية تتجاور فيها الدول، بل شريان حيوي للطاقة والتجارة والملاحة العالمية. وأي اضطراب فيه تتجاوز آثاره حدود المنطقة إلى الاقتصاد الدولي والاستثمار وسلاسل الإمداد. لذلك، فإن الأمن ليس شأناً عسكرياً منفصلاً عن التنمية، بل شرط أساسي لاستدامتها.

وهنا تتجلى خصوصية الدبلوماسية العُمانية؛ فهي لا ترى في الحوار تنازلاً، ولا في التواصل تطابقاً في المواقف، بل وسيلة لحماية المصالح وتقليل احتمالات الصدام. وعلى امتداد تجربتها، حافظت عُمان على قنوات اتصال مع أطراف متباينة، مستندة إلى احترام السيادة، وضبط الإيقاع، والإيمان بأن إبقاء باب الحوار مفتوحًا قد يصنع فارقًا بين أزمة قابلة للاحتواء ومواجهة يصعب تقدير عواقبها. إنها دبلوماسية لا تدّعي امتلاك الحلول، لكنها تسعى إلى تهيئة الظروف التي تجعل الحل ممكناً.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى إطار أمني يضم دول مجلس التعاون والعراق وإيران تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لدول المنطقة أن تدير خلافاتها من دون أن تجعلها مصدراً دائماً لتهديد استقرارها؟. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، والجوار لا يمكن إلغاؤه، وأمن طرف لا يستقيم بالضرورة على حساب أمن طرف آخر.

لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في جاذبية الفكرة، بل في استجابة الدول ذات المصالح الكبرى. فإيران مطالبة ببناء الثقة عبر سلوك يطمئن جيرانها، ودول مجلس التعاون معنية بتقدير ما يمكن أن توفره المبادرة من ضمانات عملية لأمنها. كما أن موقف الولايات المتحدة، بحضورها العسكري المؤثر، سيظل عاملاً مهماً في حسابات أي ترتيب جديد، فيما لا يمكن تجاهل أثر السياسات الإسرائيلية في بيئة التصعيد الإقليمي.

ولكي لا تبقى الفكرة في حدود التمنيات، فإنها تحتاج إلى خطوات تدريجية قابلة للتحقق: قنوات اتصال مباشرة في الأزمات، وإخطار مسبق ببعض التدريبات العسكرية، وتعاون في سلامة الملاحة، وقواعد واضحة للتحقيق في الحوادث وتسوية النزاعات. فالثقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُبنى بالتزامات متبادلة يثبت السلوك صدقيتها. ويمكن الاستفادة من تجارب دولية، مثل معاهدة الصداقة والتعاون لرابطة دول جنوب شرق آسيا، في ترسيخ مبادئ احترام السيادة وتسوية النزاعات سلميًا، مع صياغة مقاربة خليجية تنبع من ظروف المنطقة ومصالح دولها.

إن خصوصية الموقف العُماني تكمن في الجمع بين الواقعية والأمل؛ فهو يدرك أن انعدام الثقة وتشابك التحالفات وتباين تصورات التهديد تجعل الطريق صعبًا، لكنه لا يرى في صعوبة الطريق سببًا للتخلي عن البحث عن مسار أقل كلفة وأكثر استقرارًا. كما يدرك أن أمن الخليج يرتبط مباشرة بمستقبله الاقتصادي؛ فلا تنويع مستدامًا، ولا استثمار مطمئنًا، في منطقة تظل احتمالات التصعيد فيها مفتوحة.

ستظل استجابة الدول المعنية ذات المصالح الكبرى هي المعيار الأهم لجدية هذا الطرح. أما الرسالة العُمانية، فتتجاوز اقتراح ترتيب أمني بعينه إلى التأكيد أن الحوار ليس نقيض القوة، بل وسيلة لترشيدها، وأن الأمن المستدام لا تصنعه موازين الردع وحدها، وإنما تصنعه أيضًا قواعد التفاهم واحترام المصالح المتبادلة.

ليس المطلوب أن تتفق دول الخليج وجيرانها على كل شيء، بل أن تدرك أن الاختلاف، مهما اتسع، لا ينبغي أن يتحول إلى قدر من الصدام الدائم. فالجغرافيا لن تتغير، والمصالح لن تختفي، وما بينهما لا يصنع الاستقرار إلا عقل سياسي يقدّم التفاهم على المغامرة، ويجعل من الحوار أداة لحماية السيادة لا انتقاصًا منها.

إن الرهان العُماني أبعد من الدعوة إلى ميثاق أمني أو ترتيب إقليمي؛ إنه رهان على قدرة دول المنطقة على امتلاك زمام أمنها، بدلًا من أن تظل أسيرة أزماتها وحسابات القوى المتنافسة فيها. وقد لا تُثمر هذه الدعوة سريعًا، لكن البديل ليس أكثر أماناً، بل أكثر كلفة وأشد غموضاً.

فالأمم لا تختار جغرافيتها، لكنها تختار كيف تعيش فيها؛ والخليج، بما يملكه من ثروات وموقع وإمكانات، يستحق أن يكون فضاءً لصناعة الاستقرار، لا ساحةً لتوارث المخاوف. وتلك هي الرسالة الأعمق في الدبلوماسية العُمانية: أن القوة تحمي الأمن في لحظة، أما الحكمة فتبني له مستقبلًا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*