د. قاسم بن محمد الصالحي |
ليست الأزمات البعيدة بعيدةً كما نظن؛ فقد تبدأ في عاصمة كبرى بقرار يتعلق بالهجرة، أو في ميناء تتعطل فيه حركة التجارة، أو في سوق ترتفع فيه أسعار الطاقة، ثم لا تلبث أن تصل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، إلى كلفة المعيشة، وفرص العمل، وقدرة رب الأسرة على الوفاء بالتزاماته. وبين تلك العواصم وبيوتنا خيوط لا نراها دائمًا، لكنها تنسج جانبًا مهمًا من واقعنا الاقتصادي والاجتماعي.
وما يجري اليوم في الولايات المتحدة وأوروبا من جدل حول الهجرة والمهاجرين، وتشديد بعض إجراءات الدخول والإقامة والعمل، ليس شأناً غربياً محضاً. إنه جزء من سؤال عالمي أكبر: كيف تحمي الدول مصالح مواطنيها، وتستجيب في الوقت نفسه لحاجات اقتصاداتها التي لا تستطيع الاستغناء عن الأيدي العاملة والخبرات الوافدة؟.
غير أن قراءة هذه التحولات لا ينبغي أن تقودنا إلى الاعتقاد بأن ما يحدث في الغرب سينتقل بالضرورة إلى الخليج، أو أن تقليص العمالة الوافدة هو الطريق الوحيد لحماية فرص المواطنين. فلكل مجتمع تركيبته الاقتصادية والديموغرافية، ولكل سوق عمل احتياجاته وتحدياته. وما يصلح لاقتصاد قد لا يصلح لآخر، حتى لو تشابهت العناوين.
في عُمان، لا يُقاس نجاح سياسة العمل بعدد الوظائف التي تُعلن عن توطينها وحده، ولا بعدد تصاريح العمل التي تُمنح أو تُقيّد؛ بل بقدرتنا على بناء سوق متوازنة، يجد فيها المواطن فرصة حقيقية للنمو والاستقرار، وتحصل فيها المنشأة على المهارات التي تحتاج إليها، ويؤدي فيها العامل الوافد دوره ضمن إطار قانوني يحفظ الحقوق ويصون الالتزامات.
وهنا تبدأ معاناة الداخل التي قد لا تظهر في الأرقام المجردة. فالشاب الذي ينتظر فرصة عمل لا تعنيه المؤشرات الاقتصادية وحدها، وصاحب المؤسسة الصغيرة الذي يواجه ارتفاع التكاليف لا يستطيع إدارة مشروعه بالنوايا الحسنة، والأسرة التي تترقب تحسن دخلها تريد أن ترى أثر السياسات في حياتها اليومية. هذه أصوات مختلفة، لكنها تجتمع عند مطلب واحد: أن يكون تنظيم سوق العمل وسيلة لتوسيع الفرص، لا مجرد إعادة توزيع للأعباء.
وإذا شددت الدول الغربية شروط استقدام العمالة أو إقامتها، فقد تتغير حركة الكفاءات عالميًا، وترتفع المنافسة على بعض التخصصات، وتتبدل كلفة التوظيف. وقد تتيح هذه التحولات فرصًا لدول الخليج لاستقطاب خبرات تحتاج إليها، لكنها قد ترفع أيضًا كلفة بعض الخدمات وتزيد صعوبة توفير المهارات في قطاعات حيوية. لذلك فإن المطلوب ليس انتظار أثر الأزمة حتى يصل إلينا، بل قراءة علاماتها مبكراً.
ولعل أهم هذه العلامات اجتماع ثلاثة تطورات: ارتفاع كلفة الاستقدام، وتراجع توافر الكفاءات في قطاعات حيوية، واستمرار صعوبة إحلال المواطنين في بعض المهن. فإذا اجتمعت، وجب التوقف عند أسبابها، ومراجعة السياسات بحسب طبيعة كل قطاع، بدلًا من اتخاذ إجراء واحد يُطبّق على سوق متباينة الاحتياجات.
إن سوق العمل ليست جدولًا للأعداد، بل علاقة دقيقة بين الإنسان والإنتاج والعدالة والاستقرار. والتوطين الذي لا يصاحبه تدريب وتأهيل وإنتاجية قد يتحول إلى عبء على المؤسسة، كما أن الاستقدام الذي لا يرتبط بحاجة حقيقية قد يضيّق المجال أمام الكفاءات الوطنية. وبين هذين الطرفين تقع مسؤولية السياسة الرشيدة: أن تجعل من المواطن أولوية في البناء، لا رقمًا في الإحصاء، وأن تجعل من العامل الوافد إضافة إلى الاقتصاد، لا بديلًا دائمًا عن الاستثمار في الإنسان العُماني.
لقد علمتنا التحولات العالمية أن الدول لا تُختبر فقط بما تفعله حين تقع الأزمة، بل بما تستعد له قبل وقوعها. ومن هنا، فإن رؤية عُمان 2040 لا تحتاج إلى سوق عمل أكثر انضباطاً فحسب، بل إلى سوق أكثر قدرة على التكيف، تستشرف المهن التي سيطلبها المستقبل، وتربط التعليم بالتشغيل، والتدريب بالإنتاج، والتنظيم بالنمو.
فحين تتغير سياسات الهجرة في الخارج، لا ينبغي أن يكون سؤالنا: كيف نقلّد ما يجري؟. بل: ماذا تكشف لنا هذه التحولات عن نقاط القوة والضعف في سوقنا؟. وأي إصلاح يخفف معاناة الداخل من دون أن يغلق أبواب الاقتصاد أمام حاجاته؟.
ذلك هو الفارق بين سياسة تنتظر الأزمة لتتعامل معها، وسياسة تقرأ العالم لتمنح المجتمع فرصة الاستعداد. فالعالم قد يطرق أبوابنا من بعيد، لكن الحكمة أن نعرف كيف نستقبله، وأن نجعل التغيير الخارجي سببًا لتحسين حياتنا في الداخل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة