مقال | حين تحدّثت عُمان في وندسور

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست كل التحايا كلماتٍ تُقال، ولا كل التكريم أوسمةً تُعلّق؛ فثمة تحايا تستحضر روح الأمم، وتكريمات تنفذ إلى أعماق هويتها.

في قلعة وندسور، لم تحضر عُمان في خطاب الملك تشارلز الثالث بتاريخ علاقاتها مع بريطانيا فحسب، بل حضرت بذاكرتها الحضارية؛ بالخليل بن أحمد الفراهيدي، وأبي مسلم البهلاني، وحديث نبوي شريف في فضل أهلها، وبشعر محمد بن شيخان السالمي، شيخ البيان.

حين قال الملك: «مرحباً بزائر لا يُملّ»، استدعى عبارةً ارتبطت بمجلس الخليل وتلميذه سيبويه، فكأن اللغة العربية عبرت القرون لتصل مجلساً ملكياً في أوروبا، حاملةً معها أثر عالم عُماني أسهم في بناء صرح المعرفة اللغوية. وفي ذلك تذكير بأن الأمم لا تُقاس بما تملك من أرض فحسب، بل بما تضيفه إلى العقل الإنساني من علم وأثر.

ثم جاء أبو مسلم البهلاني بقوله:

“ولا برحت تلك الرياض نواضراً

                تضمخها طيب السلام النسائم”.

فحضرت عُمان المكانَ حين يتحول إلى ذاكرة، والطبيعة حين تصبح وجدانًا. وحين استُحضر الحديث النبوي: «لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك»، انتقل الخطاب من جمال الشعر إلى جوهر الأخلاق؛ حيث تلتقي الذاكرة الدينية بمعاني حسن المعاملة والحوار، وهي قيم تتجدد أهميتها في الدور الدبلوماسي العُماني المعاصر.

واختُتم المشهد ببيت محمد بن شيخان السالمي:

“عش في كمال مستمداً نعمةً

                  من ربك الوهاب لا متناهيه”.

كأن عُمان ختمت حضورها بالدعاء، بعد أن عرّفت عن نفسها بالعلم والشعر والأخلاق.

ولعل دلالة هذه الاستشهادات تتجاوز المجاملة الملكية؛ فعُمان التي حضرت في وندسور هي أيضًا عُمان البحر الذي وصلها بالعالم، واللبان الذي حمل اسمها إلى الحضارات القديمة، والأفلاج التي جسدت التعاون، والحصون التي حفظت ذاكرة المكان. إنها حضارة انفتحت على العالم من غير أن تفقد ملامحها.

غير أن الاعتزاز بهذا الحضور يضع أمامنا مسؤولية: ألا ننتظر من الآخرين أن يذكّرونا بقيمة تراثنا، وألا تبقى أسماء علمائنا وشعرائنا مادةً للفخر في المناسبات وحدها. فقيمة الموروث ليست في استدعائه فحسب، بل في إحيائه، وتعليمه، وتحويله إلى طاقة للفكر والإبداع.

ما أبهى أن يتحدث الآخرون عن عُمان بلغتهم، وما أبقى أن تظل عُمان قادرة على مخاطبة العالم بلغتها؛ تحمل ماضيها بوعي، وتصون هويتها بالعمل، وتمضي إلى المستقبل دون أن تنسى من أين جاءت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*