مقال | السائح الرقمي.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل صناعة السياحة؟.

د. ناصر بن علي الجهوري |

قد يعرف الذكاء الاصطناعي عن السائح ما لا يعرفه عن نفسه؛ من الوجهة التي قد تجذبه، إلى التجربة التي قد يفضلها، والتوقيت الذي قد يجعل رحلته أكثر متعة. ومع ذلك، فإن امتلاك هذه المعرفة لا يعني بالضرورة القدرة على صناعة تجربة سياحية استثنائية. فالفارق لا يكمن في حجم البيانات التي تجمعها الوجهات السياحية، بل في قدرتها على تحويلها إلى قرارات ذكية وتجارب تثري رحلة السائح.

لقد أصبح السائح الرقمي أكثر تطلعاً إلى رحلة مصممة وفق اهتماماته، تبدأ قبل مغادرته، وتستمر حتى عودته. فهو يبحث عن معلومات دقيقة، وخيارات تناسب ميزانيته، وتوصيات تتوافق مع ميوله، وإجابات سريعة عن استفساراته. وهنا تتيح تطبيقات الذكاء الاصطناعي إمكانات واسعة، من المساعدات الرقمية متعددة اللغات، إلى أنظمة التوصية بالوجهات والأنشطة، وصولاً إلى تصميم برامج سياحية تتكيف مع تفضيلات الزائر وظروفه.

غير أن القيمة الأعمق لهذه التقنيات تتجاوز تحسين تجربة السائح إلى تطوير إدارة الوجهات السياحية. فمن خلال تحليل البيانات، يمكن استشراف الطلب، وتحديد فترات الذروة، وتوزيع الزوار بصورة أكثر توازناً؛ بما يسهم في الحد من الازدحام، ورفع كفاءة المرافق، وترشيد الموارد، وتعزيز الاستدامة السياحية.

وفي سلطنة عُمان، بما تزخر به من تنوع جغرافي وثقافي، يتيح الذكاء الاصطناعي فرصاً لتوجيه الزوار نحو وجهات أقل شهرة، وتطوير تجارب تلائم اهتماماتهم، وتحسين إدارة المواسم السياحية. كما يمكن لتحليل أنماط الإنفاق وتفضيلات الزوار دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في تطوير منتجات محلية أكثر جاذبية، وإطالة مدة الإقامة، وزيادة العائد السياحي، بما يعزز القيمة الاقتصادية للسياحة ويوسع استفادة المجتمع منها.

غير أن التحول نحو السياحة الذكية لا يتحقق بمجرد اقتناء الأنظمة والتطبيقات، بل يتطلب بنية رقمية متكاملة، وبيانات موثوقة، وكفاءات قادرة على تحليلها وتوظيفها، إلى جانب حماية خصوصية الزوار وضمان أمن معلوماتهم. ولا يكتمل التحول نحو السياحة الذكية دون تكامل الجهود بين المؤسسات السياحية والتقنية، وتحويل البيانات إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وقياس أثرها في رضا الزوار والعائد الاقتصادي واستدامة الموارد؛ فالتقنية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتعزيز تنافسية القطاع السياحي ورفع القيمة المضافة للاقتصاد المحلي.

كما ينبغي ألا يؤدي الاعتماد على التكنولوجيا إلى تهميش العنصر الإنساني؛ فالسياحة تجربة تقوم على التواصل والثقافة والضيافة، وهي قيم لا تستمد معناها من الخوارزميات وحدها.

إن الرهان الحقيقي ليس في تحويل السائح إلى مجرد بيانات، بل في استخدام البيانات لفهم الإنسان بصورة أفضل. فالتكنولوجيا تمنح الوجهات السياحية قدرة أكبر على التنبؤ والتخطيط وتخصيص الخدمات، لكن نجاحها يظل مرهوناً بمدى انعكاسها على جودة التجربة، وكفاءة الخدمات، والعائد الاقتصادي، واستدامة الموارد. ومن هنا، فإن الوجهات التي ستصنع فارقاً في المستقبل ليست بالضرورة الأكثر امتلاكاً للتقنيات، بل الأكثر قدرة على توظيفها بوعي لخدمة الإنسان والمكان معاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*