محمود النشيط |
إعلامي بحريني متخصص في الإعلام السياحي
في الثامن عشر من أكتوبر من كل عام، تحتفل مملكة البحرين وحدها عربياً بـ “يوم المرشد السياحي البحريني”. قد يراه البعض احتفالية مهنية عابرة، لكنه في جوهره سؤال وجودي عن مستقبل السياحة نفسها. ونحن نعيش في عام 2026، حيث يستطيع السائح أن يفتح هاتفه في قلعة البحرين، فيشرح له الذكاء الاصطناعي تاريخ دلمون في ثوانٍ، ويستطيع أن يحجز جولة افتراضية في متحف البحرين الوطني وهو في غرفته. فلماذا ما زلنا نحتاج المرشد؟.
تاريخياً، لم تكن مهنة الإرشاد جديدة على منطقتنا. فمنذ أكثر من 4000 عام، كان أهل دلمون هم أول المرشدين في الخليج، يستقبلون سفن حضارة وادي السند ويشرحون لهم أسواق اللؤلؤ وينابيع الماء العذب في قلب البحر المالح – ومن هنا جاء اسم “البحرين”. وفي الجزيرة العربية، عُرف “المطوّف” و”الدليل” منذ الجاهلية، وهو الرجل الذي يحفظ مسارات القوافل ونجوم الصحراء ويقص على الحجاج والتجار حكايات الآبار والواحات. وفي كتب الرحالة مثل ابن بطوطة والمقدسي، كان المرشد المحلي هو الضامن الوحيد لسلامة الرحلة وصدق الرواية.
أما في البحرين الحديثة، فقد بدأ التنظيم الرسمي مع تأسيس قطاع السياحة في السبعينيات، وكان المرشدون الأوائل من كبار السن من أهل المحرق والمنامة يحكون التاريخ شفوياً بلا نصوص. وفي 18 أكتوبر 2016، كرّمت المملكة هذه الذاكرة الشفهية بإعلان يوم المرشد السياحي، لتتحول المهنة من هواية إلى رسالة وطنية.
وعالمياً، هذه المهنة ليست هامشية كما يظن البعض. حسب الاتحاد العالمي لجمعيات المرشدين السياحيين WFTGA ومقره فيينا، وهو عضو منتسب لمنظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، هناك اليوم أكثر من 200000 مرشد سياحي مرخص ومؤهل يمثلون 90 جمعية وطنية في أكثر من 50 دولة حول العالم. وإذا احتسبنا المرشدين العاملين عبر المنصات الرقمية والاقتصاد الحر، فإن العدد يتجاوز 2.5 مليون مرشد. هذا الجيش الصامت هو من يحمل ذاكرة المدن على كتفيه.
المرشد لا يقول “هذه القلعة عمرها 4000 سنة”. بل يقول “هنا وقف جدي يبيع اللؤلؤ، وهنا كانت أمي تروي لنا حكاية السمكة والغواص”. الفرق بين معلومة ويكيبيديا وحكاية جدة هو الفرق بين سائح عابر وضيف يتذكر البحرين للأبد. اليوم، تتجه السياحة العالمية من مفهوم “الاستدامة” إلى مفهوم أعمق هو “السياحة التجديدية”. لم يعد السؤال: كيف لا نضر المكان؟ بل أصبح: كيف نتركه أفضل مما كان؟ وهنا يظهر دور المرشد كسفير حقيقي. السفير لا يشرح الحجر، بل يحميه. عندما يطلب المرشد من ضيوفه شراء سلة من حرفي في كرباباد بدلاً من تذكار مستورد، هو يجدد الاقتصاد المحلي. عندما يمنعهم بلطف من لمس نقش أثري في قلعة عراد، هو يجدد التراث.
في مؤتمر ITB Berlin 2026، كان العنوان الأبرز: “التوازن”. توازن بين التقنية والإنسانية، بين النمو والحفاظ. وهذا التوازن لا يصنعه تطبيق، بل يصنعه إنسان. والمرشد البحريني اليوم لم يعد دليلاً يحمل مظلة ويعد الرؤوس. هو حارس رواية، ومدقق حقائق ثقافي، وآخر خط دفاع عن هويتنا.
التكريم الذي تقوم به مجموعة أصدقاء دلمون للمرشدين السياحيين برئاسة ميرزا النشيط كل عام ليس مجرد شهادة تقدير. هو استثمار في السردية الوطنية. فلنحافظ على المرشد، لنحافظ على الحكاية.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة