د. قاسم بن محمد الصالحي |
ثمة صور قديمة لا تغادر زمنها، بل تمضي معنا إلى المستقبل، تحمل في تفاصيلها أسئلة تتجدد كلما تغيرت الحياة. ومن بينها صورة يوم الخطابة في المدرسة السعيدية عام 1965م، التي تستوقفنا لا بوصفها ذكرى من تاريخ التعليم العُماني فحسب، بل باعتبارها شاهدًا على قيمة تربوية ما زلنا في حاجة إلى استلهامها: أن يتعلم الإنسان كيف يفكر، قبل أن يتعلم كيف يتحدث، وأن يدرك مسؤولية الكلمة قبل أن يبحث عن وقعها في الأسماع.
في تلك المنصة المدرسية، كان الطالب يتدرب على مواجهة الجمهور، وترتيب أفكاره، واختيار عباراته، وتحويل ما تعلمه إلى حديث يسمعه الآخرون. وربما لم يكن يدرك يومها أن دقائق يقضيها في الإلقاء ستمنحه خبرة تتجاوز جدران المدرسة؛ فالثقة بالنفس، وحسن التعبير، والقدرة على الإقناع، والإصغاء إلى الآخرين، كلها مهارات ترافق الإنسان في حياته العلمية والمهنية والاجتماعية.
واليوم، ونحن نتطلع إلى مستهدفات رؤية عُمان 2040 في بناء الإنسان وتعزيز التعليم والابتكار والقدرات الوطنية، يصبح إحياء الخطابة المدرسية أكثر من استعادة تقليد تربوي جميل؛ إنه استثمار في الشخصية العُمانية القادرة على المشاركة في صناعة المستقبل. فالرؤية لا تتحقق بالمعرفة المحفوظة وحدها، وإنما بعقول تحلل، وأفكار تبتكر، وشخصيات تستطيع الحوار، وعرض المقترحات، ومناقشة التحديات بثقة ومسؤولية.
ولم تعد منصة اليوم خشبة صغيرة يقف عليها الطالب أمام زملائه؛ فقد اتسعت لتشمل المناظرات، والإذاعة المدرسية، والبودكاست الطلابي، والعروض الرقمية، ومجالس الحوار، والمشروعات التي يقدم فيها الطلبة حلولاً لقضايا مجتمعهم. ويمكن للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي أن تساعدهم على تحسين اللغة وتنظيم الأفكار، شريطة ألا تحل محل التفكير المستقل، أو تُضعف أصالة التعبير، أو تجعل الطالب ناقلًا لما تنتجه الآلة دون فهم وتمحيص.
غير أن الخطابة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بجمال العبارة وحدهما؛ بل بوضوح الفكرة، وسلامة المعلومة، وقوة الدليل، واحترام الرأي الآخر. ومن هنا تبرز مسؤولية المدرسة في إتاحة الفرصة لجميع الطلبة، وتأهيل المعلمين لتنمية مهارات التعبير والحوار، وجعل هذه الممارسة جزءاً مستمراً من العملية التعليمية، لا نشاطاً موسمياً تحكمه المسابقات والجوائز.
إن عُمان 2040 تحتاج إلى جيل لا يكتفي بمعرفة الإجابات، بل يمتلك شجاعة السؤال، وأدوات النقاش، والقدرة على تحويل الأفكار إلى مبادرات نافعة. وبين منصة السعيدية بالأمس ومنصات التعليم الحديثة اليوم تمتد رسالة واحدة: بناء الإنسان هو الطريق إلى بناء الوطن.
فربما بدأت حكاية قائد بكلمة ألقاها في فناء مدرسته؛ ولذلك فإن المدرسة التي تمنح أبناءها القدرة على التفكير والتعبير المسؤول، لا تُعلّمهم كيف يتحدثون فحسب، بل تهيئهم ليكونوا شركاء في كتابة مستقبل عُمان.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة