مقال| حين استشهد السلطان بعهد التاريخ

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست كل الكلمات التي تُقال في قصور الملوك عابرةً بانفضاض المجالس؛ فبعضها يستمد بقاءه من المعنى الذي يختزنه، وبعضها يوقظ في الذاكرة عهداً ظنّ الناس أن السنين قد طوته، فإذا به يعود حيّاً، كأنما كُتب بالأمس.

في قلعة وندسور، حيث تتكئ الجدران على ذاكرة قرون، لم يكن استحضار جلالة السلطان هيثم بن طارق، لمعاهدة الصداقة بين عُمان وبريطانيا، الموقعة عام 1800، مجرد استعادة لوثيقة تاريخية؛ بل كان وصلاً بين عهد الأمس وواقع اليوم، وتأكيداً أن العلاقات الراسخة لا تُقاس بعمرها وحده، وإنما بما تحتفظ به من وفاء، وما تجدد فيه من مصالح وتعاون.

ولعل في هذا المشهد ما يذكّرنا بخصيصة أصيلة في الوجدان العُماني؛ ذلك أن عُمان، في سيرتها الطويلة، لم تكن أمةً تقيس علاقاتها بضجيج اللحظة، ولا تجعل من تقلب الأحوال مقياساً وحيداً للوفاء. فقد علّمتها الجغرافيا أن البحر لا يؤتمن على حال واحدة، وأن الرياح تتبدل، وأن السفينة الحكيمة لا تعاند الموج، ولا تتخلى عن وجهتها كلما اضطربت المياه. ومن هنا نشأت حكمة التعامل مع العالم: انفتاح بلا ذوبان، ومرونة بلا تفريط، ووفاء لا يحول دون مراجعة الوسائل وتبدل المصالح.

أما الإشارة إلى دوران الشمس والقمر في نص المعاهدة، فقد منحت الخطاب بعداً يتجاوز التوثيق إلى الرمز؛ فالزمن هنا مقياس لامتداد العهد، وتعاقب الأيام امتحان لصدقه. وكأنما تستعيد العبارة القديمة معناها في الحاضر لتقول إن الصداقة لا تحفظها الكلمات وحدها، وإنما يصونها ما يتجدد في كل عصر من احترام متبادل، وحسن تعامل، ومصالح مشتركة.

غير أن الوفاء للتاريخ لا يعني أن التاريخ يعفينا من مسؤولية الحاضر. فالعلاقات بين الدول لا تصان بالذكريات وحدها، مهما عظمت، ولا تُحمى ببلاغة القول ما لم تسندها مصالح متوازنة، وتعاون ملموس، وقدرة على الاختلاف دون خصومة. ولعل أجمل ما في استحضار ذلك العهد أن الماضي لم يُقدَّم بديلاً عن المستقبل، بل أساساً يُبنى عليه؛ فالمعاهدة القديمة لا تطلب من الأجيال أن تعيش في زمنها، وإنما أن تحفظ من معناها ما يصلح لأزمنتها.

وهنا تتجلى ملامح الدبلوماسية العُمانية: لا تستكثر على التاريخ فضله، ولا تستسلم لسلطانه؛ تأخذ منه الحكمة، ثم تمضي إلى الواقع بعين مفتوحة. وهي دبلوماسية تدرك أن الصداقة بين الدول ليست اتفاقاً على كل شيء، بل قدرة على صون الاحترام حين تختلف الحسابات، وعلى إبقاء أبواب الحوار مفتوحة حين تضيق السبل.

لقد استعاد جلالة السلطان عهداً مضى عليه أكثر من قرنين، ليؤكد أن الذاكرة حين تُحسن الدول قراءتها تصبح رصيداً للمستقبل، لا عبئاً عليه. غير أن قيمة العهود لا تُستمد من قِدمها وحده، بل مما تثمره في حياة الشعوب، وما تفتحه من آفاق للتعاون والاستقرار.

وما أبلغ أن تمضي عُمان إلى العالم وفي يدها ذاكرتها، وفي بصيرتها حكمة التجربة؛ لا يغرّها بريق اللحظة، ولا يثقل خطوها عبء الماضي. تحفظ للعهد مكانته، وللحاضر استحقاقه، وللمستقبل حقه في أن تُكتب صفحاته بأفعال تليق بتاريخ البلدين.

فتلك هي العبرة: أن العهود قد تبدأ بكلمات، لكن بقاءها مرهونٌ بحكمة الرجال، وصدق الدول، وحسن ما يتركونه لمن يأتي بعدهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*