د. قاسم بن محمد الصالحي |
لا خلاف على أن المسار السريع في معالجة مخالفات العمالة الوافدة يستهدف تخفيف العبء على المحاكم، وتسريع البت في الحالات، وفرز المخالفات التي يمكن تسويتها بالتصالح عن تلك التي تستوجب الإحالة إلى الجهات القضائية. وهي غاية إدارية مشروعة، تنسجم مع كفاءة الأداء وترشيد الوقت والموارد. غير أن نجاح هذه المبادرات لا يُقاس بسرعة إنجاز الإجراءات وحدها، بل بقدرتها على تحقيق الغاية دون أن تنشأ عنها إشكالات إجرائية جديدة.
تبدأ الإشكالية حين توضع مخرجات الضبط القضائي، على اختلاف طبيعتها وظروفها، في سلة واحدة، وتُمنح جميع الحالات مهلة موحدة لا تتجاوز 48 ساعة، دون تمييز كافٍ بين الوقائع أو مراعاة الظروف العملية المحيطة بها. وتزداد المسألة حساسية عندما تقع عمليات الضبط قبل إجازة نهاية الأسبوع بساعات، فيجد صاحب العمل نفسه أمام مهلة قصيرة قد تنقضي قبل أن يعلم أصلاً بضبط العامل.
وقد تتخذ الحالة مساراً أكثر تعقيداً؛ إذ لا يعلم صاحب العمل بالضبط إلا من خلال العامل نفسه، فيبادر إلى مراجعة الجهة المختصة، لكنه يفاجأ في يوم العمل التالي بأن الملف أُحيل إلكترونيًا إلى الادعاء العام. وعند مراجعته، قد يجد أن قرار ترحيل العامل قد صدر بالفعل، بينما لم تتح له فرصة عملية كافية لعرض مستنداته أو توضيح ملابسات الحالة قبل انتقالها إلى مرحلة أخرى.
هنا لا تكمن المشكلة في الرقمنة، ولا في سرعة الإحالة بحد ذاتها، وإنما في احتمال أن تتقدم سرعة الإجراء على اكتمال الصورة. فالتحول الإلكتروني وسيلة لتيسير العدالة، وليس مبرراً لتقليص فرص التحقق أو إضعاف التواصل بين الجهات والأطراف المعنية.
وتتضاعف التبعات عندما يصبح التظلم هو الطريق المتاح لتدارك الحالة؛ إذ يعود الملف إلى مسار أطول، وقد يبقى العامل محجوزاً إلى حين استكمال إجراءات جديدة للإفراج عنه، بما يرتبه ذلك من أعباء إنسانية ومالية وإدارية، فضلاً عن كلفة إعادة المعالجة التي كان بالإمكان تفاديها لو أُتيح التحقق في وقت مبكر.
إن المطلوب ليس إبطاء المسار السريع، بل تطويره. وذلك بفرز الحالات بحسب طبيعتها، والتحقق من تبليغ صاحب العمل متى كان ذلك لازمًا وممكنًا قانونًا، وإتاحة نافذة زمنية عملية لتقديم المستندات قبل ترتيب الآثار التي يمكن تداركها، مع وضع آلية واضحة للحالات المضبوطة قبيل الإجازات. كما ينبغي مراجعة الحالات التي انتهت إلى التظلم أو إعادة إجراءات الإفراج، لقياس مدى كفاءة المسار في تحقيق غايته.
فالإدارة الناجحة لا تُقاس بعدد الملفات التي تنهيها في ثمانٍ وأربعين ساعة، بل بعدد الإجراءات الصحيحة التي تنجزها من المرة الأولى. فالسرعة التي توفر وقت المحاكم، ثم تستنزف وقت الجهات والأطراف في التظلمات وإعادة المعالجة، تحتاج إلى مراجعة لا إلى مزيد من التسريع. والعدالة الإجرائية ليست عبئًا على كفاءة المؤسسة، بل هي الضمان الذي يمنح كفاءتها معناها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة