د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست كل الزيارات الملكية سواء؛ فبعضها تحكمه مقتضيات البروتوكول، وبعضها تفرضه حاجة السياسة إلى تجديد العهود، فيما تحمل زيارات أخرى معنى أعمق، لأنها تأتي لتعيد قراءة علاقة صنعتها الأيام، واختبرتها التحولات، وأثبتت أن دوام الصلات بين الدول لا يقوم على ذاكرة الماضي وحدها، بل على القدرة على اكتشاف مصالح المستقبل.
ومن هذا المعنى يمكن قراءة الزيارة الرسمية التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله ورعاه، إلى المملكة المتحدة، تلبية لدعوة جلالة الملك تشارلز الثالث؛ وهي أول زيارة دولة يقوم بها سلطان عُماني إلى بريطانيا منذ زيارة السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، عام 1982. وبين الزيارتين مسافة من الزمن، لكنها ليست مسافة انقطاع، بل امتداد لعلاقة تراكمت فيها الخبرة السياسية، وتداخلت المصالح، وتعددت مساحات التعاون.
لقد عرفت العلاقات العُمانية البريطانية وجوهًا مختلفة عبر تاريخها؛ من البحر والتجارة إلى السياسة والأمن، ومن مقتضيات الجغرافيا إلى اعتبارات الاستقرار الإقليمي. غير أن قيمة العلاقة في حاضرها لا ينبغي أن تُقاس بطول تاريخها وحده، ولا بما تحمله من ذكريات، بل بما تستطيع أن تقدمه لشعبين يتطلعان إلى مستقبل أكثر ازدهاراً وأمناً.
وهنا تكمن دلالة الزيارة الراهنة: إنها تأتي في زمن لم تعد فيه العلاقات الدولية تُبنى على التحالفات التقليدية وحدها، بل على القدرة على الجمع بين الأمن والاقتصاد، وبين المصالح الوطنية والتحديات العابرة للحدود، وبين الثقة السياسية ومتطلبات التحول التقني والمعرفي.
فبريطانيا التي تبحث عن شراكات موثوقة في منطقة تتسارع تحولاتُها، تجد في عُمان دولة ذات موقع بحري استراتيجي، وخبرة دبلوماسية تراكمت في التعامل مع ملفات معقدة، ورؤية اقتصادية تتطلع إلى تنويع مصادر الدخل وتوسيع مجالات الاستثمار. وفي المقابل، تستطيع عُمان أن تستفيد من الخبرة البريطانية في التعليم والتكنولوجيا والصناعة والطاقة، وأن توسع آفاق التعاون بما يخدم مستهدفات رؤية عُمان 2040.
لكن الرهان الأهم لا يكمن في تعداد مجالات التعاون، بل في تحويلها إلى نتائج ملموسة؛ فالاتفاقيات تكتسب قيمتها حين تصبح مشروعات منتجة، والاستثمارات حين تفتح أبواب المعرفة والعمل، والشراكات حين تنقل الخبرة ولا تكتفي بتبادل المنافع الآنية. ومن هنا، فإن المستقبل الذي تستحقه العلاقات بين البلدين هو الذي ينتقل بها من رصيد الثقة السياسية إلى شراكة اقتصادية ومعرفية أكثر عمقًا واستدامة.
أما في السياسة، فإن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الاصطفافات بقدر حاجتها إلى توسيع مساحات التفاهم، وحماية أمن الملاحة، وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة. وقد أتاحت السياسة العُمانية، بما عُرفت به من هدوء واتزان، مساحة للتواصل بين أطراف متباينة. وليس معنى ذلك أن عُمان تتخلى عن مصالحها أو تساوي بين المواقف المختلفة، بل إنها تدرك أن الدبلوماسية الناجحة لا تُقاس بارتفاع الصوت، وإنما بقدرتها على صيانة المصالح، وتقليل المخاطر، وتهيئة الظروف التي تجعل التسوية ممكنة.
ولعل هذا ما يمنح العلاقة العُمانية البريطانية فرصة إضافية للنضج: أن يلتقي اختلاف الخبرات وتنوع الأدوات على قاعدة من الاحترام المتبادل، وأن تتسع الشراكة للتعاون الاقتصادي، من دون أن تفقد بعدها السياسي والإنساني، وأن يظل الحوار وسيلة لفهم التحولات لا مجرد استجابة لها.
إن التاريخ يمنح العلاقات جذورها، لكن المستقبل وحده يمنحها أسباب البقاء. وحين تتجدد الصلات بين مسقط ولندن، فإن الأمل ليس في استعادة صورة قديمة، بل في صياغة صورة جديدة تليق بعُمان وهي تمضي في تحولها الاقتصادي، وتليق ببريطانيا وهي تعيد ترتيب شراكاتها في عالم مضطرب.
فالعلاقات الراسخة لا تعيش على أمجاد الأمس، ولا تُصان بالمجاملات وحدها؛ إنها تحتاج إلى رؤية تتجدد، ومصالح تتكامل، وثقة تثبتها الأفعال. وتلك هي الرسالة الأعمق لهذه الزيارة: أن يكون التاريخ جسرًا إلى المستقبل، لا محطة للوقوف عنده.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة