مقال | هل تستطيع السياحة البقاء في عصر التغير المناخي؟.

د. ناصر بن علي الجهوري |

قد لا يكون التحدي الأكبر أمام الوجهات السياحية هو قدرتها على جذب الزوار، بل قدرتها على الحفاظ على جاذبيتها في عالم تتزايد فيه التقلبات المناخية. فالأجواء التي تصنع تميز الوجهات، والطبيعة التي تمنحها تفردها، قد تتحول إلى مصدر للمخاطر، ما يجعل التكيف المناخي عنصراً أساسياً في مستقبل السياحة.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في سلطنة عُمان، بتنوع مقوماتها السياحية الطبيعية. غير أن الحفاظ على هذه المزايا لا يتحقق بمجرد استثمارها، بل يتطلب إدارة واعية توازن بين العائد الاقتصادي وسلامة الزوار وصون الموارد الطبيعية.

ويقدم موسم الخريف في ظفار مثالاً على ذلك؛ فالضباب والغطاء الأخضر والأجواء المعتدلة تمنح المحافظة جاذبية استثنائية، لكن الحفاظ على جودة التجربة السياحية يتطلب تعزيز إجراءات السلامة، وإدارة تدفق الزوار، وتوفير معلومات محدثة عن الأحوال الجوية. كما أن تنويع المنتجات السياحية على مدار العام يوسع النشاط الاقتصادي، ويمنح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمجتمعات المحلية فرصاً أكبر للاستفادة من الحركة السياحية، ويحد من الاعتماد على موسم واحد.

وتذكّرنا الأودية، مثل وادي شاب ووادي بني خالد، بأن جمال الطبيعة لا ينفصل عن مخاطرها. فقد تؤدي الأمطار الغزيرة وجريان الأودية إلى تغير الظروف خلال وقت قصير، بما يستدعي أنظمة إنذار مبكر، وإجراءات واضحة لإغلاق المواقع عند الضرورة، وتحديد مسارات آمنة، وتوعية الزوار. كما يفرض ارتفاع درجات الحرارة إعادة تنظيم توقيت الأنشطة الخارجية، خصوصاً الرحلات الصحراوية، مع توفير اشتراطات السلامة وبدائل مناسبة خلال ساعات الحر الشديد.

وتبدأ المواجهة بإدماج الاعتبارات المناخية في صميم التخطيط والاستثمار السياحي. ويشمل ذلك مراعاة مخاطر السيول عند اختيار مواقع المنشآت وتصميمها، وحماية الشواطئ والأنظمة البيئية، وترشيد استهلاك المياه والطاقة، وتطوير ممارسات تشغيلية تخفف الضغط على الموارد الطبيعية. فكلما حضرت هذه الاعتبارات في مراحل التخطيط المبكرة، تراجعت احتمالات الخسائر وتعطل الأنشطة، وتعززت قدرة القطاع على مواصلة العمل في ظل الظروف المتغيرة.

وتبرز الحاجة إلى إطار وطني للتكيف المناخي في القطاع السياحي، يشمل تقييماً للمخاطر في الوجهات والمنشآت السياحية، وتحديد أولويات التدخل، ووضع بروتوكولات للإنذار والإغلاق وإعادة التشغيل، ومؤشرات تقيس الجاهزية والاستجابة والتعافي. ويتطلب نجاح هذا الإطار تنسيقاً بين الجهات المعنية بالسياحة والأرصاد والدفاع المدني والبيئة والبلديات، وإشراك المجتمعات المحلية، وتوظيف البيانات والتقنيات الرقمية في التنبؤ بالمخاطر وإرشاد الزوار.

إن التكيف المناخي ليس عبئاً على القطاع السياحي، بل استثمار في مستقبله؛ فالرهان لا يكمن في استثمار ثراء الطبيعة وتنوعها اليوم فحسب، بل في ضمان بقاء هذه المقومات قادرة على توليد القيمة الاقتصادية غداً. فالميزة التنافسية لن تصنعها جاذبية الوجهات فحسب، بل قدرة إدارتها على استباق المخاطر، وحماية مواردها، وضمان سلامة زوارها؛ لتصبح المرونة المناخية ركيزة لاستمرارية النشاط السياحي وتعزيز تنافسيته واستدامته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*