د. قاسم بن محمد الصالحي |
في مجالسنا العُمانية، وبين فناجين القهوة وتبادل الأحاديث، يطرح أحد الحاضرين رأياً، فيخالفه آخر، ويضيف ثالثٌ تجربةً مختلفة. تتباين وجهات النظر، لكن المودة تبقى، ويظل المجلس متسعاً للجميع. في هذا المشهد الأصيل تتجلى حكمة عُمانية عميقة: ليس شرطاً أن نتفق في الرأي حتى نحافظ على ما يجمعنا من أواصر الأخوة والانتماء.
وليس الحوار في عُمان مجرد قيمة نتغنى بها، بل ممارسة وطنية لها شواهدها. ففي إعداد رؤية عُمان 2040، اتسعت المشاركة لتشمل أكثر من 41 ألف شخص من مختلف القطاعات والفئات، عبر اللقاءات والورش والجولات في المحافظات واستطلاعات الرأي والمنصات الرقمية. وقد عكست هذه التجربة إدراكاً بأن بناء المستقبل لا ينبغي أن يكون شأن المؤسسات وحدها، بل مسؤولية وطنية تتسع للمجتمع وتطلعات أبنائه.
ويجسد مجلس عُمان، بشقيه مجلس الدولة ومجلس الشورى، صورة أخرى للتشاور في العمل الوطني، من خلال مناقشة مشروعات القوانين والخطط التنموية والموازنة العامة للدولة.
فالحوار هنا لا يقف عند حدود إبداء الرأي، بل يمتد إلى دراسة البدائل ومناقشة الأولويات وتغليب المصلحة العامة.
وفي المجال الرقمي، جاءت مبادرة «شوركم» لتفتح قنوات إضافية أمام المواطنين لإبداء آرائهم ومقترحاتهم. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرات لا تقاس بمجرد إتاحة المشاركة، وإنما بمدى وصول صوت المواطن إلى موضع القرار، ووضوح ما يترتب عليه من أثر.
وهنا يبرز التحدي الذي يستحق منا التأمل: كيف نجعل الحوار ممارسة مستمرة، لا ترتبط بمشروع أو مناسبة؟. وكيف ننتقل من الاستماع إلى الآراء إلى توضيح ما أُخذ بها وما تعذّر، وأسباب ذلك؟. فالثقة لا تُبنى بمجرد فتح الأبواب، بل بما يلمسه الناس من جدية في الإصغاء، وعدالة في النظر، وشفافية في التعامل مع مقترحاتهم.
وأرى أن ترسيخ ثقافة الحوار يبدأ من البيت، حيث يتعلم الأبناء احترام اختلاف الآراء، ويمتد إلى المدرسة والمؤسسة ومجلس المجتمع والفضاء الرقمي. فالمؤسسة الواثقة لا تخشى الملاحظة، والمجتمع المتماسك لا يحتاج إلى إلغاء الاختلاف كي يحمي وحدته؛ بل يحسن إدارة الاختلاف حتى لا يتحول إلى خصومة، ويجعل منه فرصةً للفهم والتصحيح والتطوير.
وفي عالم تتزايد فيه الاستقطابات وتتراجع فيه مساحات التفاهم، تملك عُمان رصيداً من الحكمة والاعتدال وبناء الجسور، وهو رصيد ينبغي ألا يظل حبيس حضورها الخارجي، بل أن يتجدد في علاقاتها الداخلية أيضًا. فالحضور العُماني في العالم يزداد رسوخاً حين يجد صداه في مجتمع يؤمن بالتفاهم، ومؤسسات تنصت، ومواطن يشعر بأن رأيه موضع اعتبار.
إن التحدي ليس أن نتفق في كل شيء، بل أن نحسن الاختلاف دون أن نخسر ما يجمعنا. وكما يتسع المجلس العُماني للرأي والرأي الآخر حول فنجان القهوة، ينبغي أن تتسع حياتنا العامة للحوار المسؤول، الذي يصون الكرامة، ويعزز الثقة، ويفتح الطريق أمام مشاركة أوسع في صناعة المستقبل. فالحوار ليس ترفاً اجتماعياً، بل حكمة وطنية متجددة، بها نحفظ تماسك عُمان، ونصون وحدتها، ونمضي بثقة نحو غدها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة