مقال | “القيادة والريادة .. الفعَّاليات نموذجاً”

فوزية بنت ناصر الحبسي|

محاضر أول في كلية عُمان للسياحة

ليس من المنطق أن نقوم بتصنيف الريادة ونبرزها على أنها إنجازات فردية أو مؤسساتية ، ونتجاهل أن أصحاب هذه الريادة، يملكون صفات القيادة وخصائصها ومقوماتها ، وبالتالي نفصل بين أهلية الريادة وملكة القيادة، فاجتماع القيادة والريادة في شخصية معينة، قد لا يكون لزامًا وشرطاً لتحقيق التفوق ، ولكن لا تخلو أية مكاسب ريادية من محفزات قيادية، كما لا تغيب القدرات القيادية عن الإمكانيات الريادية، فكل قيادي ناجح هو رياديٌ ناجح ، وهذا الموهبة المشتركة تؤهله لأن يؤدي دوراً تنموياً في عمله وأسرته ومجتمعه ووطنه. هذا الدور سيكون مباركاً ومسدَّداً كونه يسعى لاستصلاح ما يتعسر ، واستنهاض ما يتيسر .

إن قبولنا بأن هناك علاقة وثيقة بين الريادة والقيادة، يحتاج أن نفهم الصورة الأشمل وهي حياتنا وعلاقتها بتطور العلوم، فعندما تطورت الحياة بمختلف أبعادها ومفاصلها، وتصاعدت التحديات في كل مراحلها، أصبحت هذه التحديات أشبه بمنظومة شاقة ينبغي أن نتجاوزها بأساليب مبتكرة تتناسب وطبيعة المرحلة، وأضحت المفاهيم التقليدية المرتبطة بفطرة السلوك البشري في مختلف الأزمنة والأمكنة، خاضعة لتطور العلوم التقنية وملازمة للمتغيرات العصرية، سواء في الإقتصاد أو الثقافة أو العلوم أو حتى في سلوكيات الناس. هذا الخضوع قد لا يبشر بخير في بعض حالاته ، وخصوصًا فيما يتعلق بتحقيق رغباتنا المادية واستعجال تفوقنا المهني في بيئة تنافسية تفتقر للإنصاف، وخوفنا ينبع من انغماس بعض البرامج المهنية في تطبيقات آلية وممارسات وظيفية، قد لا يتواءم بعضها وطبيعة مجتمعاتنا وعاداتنا، وبالتالي يصبح الإفراط في استخدام التقنية ، طريقاً فيه تعب وشقاء، وقد تضطرب فيه ثوابتنا ، ولهذا لا بد من التوازن بين حدود احتياجاتنا من الأدوات التقنية وبين حماية أخلاقياتنا، وبالتالي نحقق ريادة منهجية وقيادة إنسانية لا تصطدم بالقيم والمعتقدات.

نحن لا ننتقد هذا التطور المتسارع ولا نقسو عليه ولا نخاصمه، والذي قد يكون منفلتاً أحياناً، وإن كان مأموناً في أحسن مظاهره ، ومخيفًا في أسوأ تطبيقاته ، بل ندعمه ونتفاهم معه، في الوقت الذي يستوجب علينا الإنتباه إلى خطورة آثاره المعنوية على حريتنا في الابداع والابتكار، وبمعنى أدق، يجب أن نستثمر إيجابيات هذا التقدم العلمي بما يحقق طموحاتنا، ونتفادى سلبياته بما يضمن استقرارنا. يجب أن نكون نحن من يتحكم في هذا التطور، ونحن من نقوده بما يحمي ثوابتنا ومبادئنا ، وأن نحقق فيه ريادة تنموية تخدم الإنسانية.

إن تطور العلوم وتسارع الاكتشافات والاختراعات، لا ينفصل عن الإنجازات الفردية والمؤسساتية، وبما أنه تطور علمي ومهني يقوم على المادة والتجربة والخبرة ، فإنه يحمل معه نمواً ثقاقياً وفكريًا قد يؤثر في طبيعة الشخصية الإنسانية، وإدارة المشاريع الاقتصادية، وقيادة المجموعات الفاعلة، وريادة الأفكار الخلاَّقة.

 هذا التأثير قد لا ننتبه إليه في خضم استئناسنا وابتهاجنا به، لا سيما وأنه قد يجرح بديهيات تاريخية تعودنا عليها في طريقة حياتنا اليومية، وآداب تعاملنا مع بعضنا، وإنجاز مهماتنا، ولهذا ينبغي أن نتريث دائمًا قبل أن نستسلم لهذا التأثير، كونه تأثيراً غير مرئي ولا واضح المعالم خصوصاً في بداياته، وبالتحديد ما يصنعه هذا التأثير في فضاء الوعي الجمعي لمجتمعاتنا ، إذ لا أحد يملك القدرة على استئصاله إذا توغل في العقل الجامع لسلوك المجتمعات مهما كانت قومياتها وأديانها وأخلاقها، وسنحتاج لبذل جهودًا جبارة في علاجه والحد من استفحاله.

في حياتنا اليومية، بجوانبها الإنسانية والاجتماعية والمهنية، تبرز ملكة القيادة والريادة ، وتبرز معها أصول الحكمة والرشاد والعدالة ، ودعونا نأخذ أنشطة الفعَّاليات مثالاً، باعتبار أنها أنشطة تتفاعل فيها شرائح مختلفة ولها القدرة على الإسهام في إنجاح المشاريع التنموية، وهي نموذج لتطور الخدمات والمنتجات ، وهي نموذج تتكامل فيه القيادة والريادة، وسواء كانت هذه الفعَّاليات، مهرجانات أو معارض أو حفلات أو أسواق أو تجمعات لتقديم خدمات ومنتجات وتكريم وتدشين وغيرها . هذه الفعَّاليات في اعتقادي، ليست بنتائجها المادية أو الموسمية، فقد تكون حققت الأرباح والشهرة والأضواء والسمعة والنفوذ ، ولكن، كم خلقت وطوَّرت ومكّنت الأفراد والمؤسسات من تعزيز قدراتهم واكتشاف مواهبهم؟. وهل أخرجت شخصيات قيادية وأبرزت كفاءات ريادية تستطيع أن تسهم بقوة في حركة التنمية البشرية؟ .

القيادة والريادة في الفعَّاليات، هو استثمار استراتيجي في الكفاءات البشرية، استثمار أعظم من حجم الأهداف وكمية النتائج، باعتبار أن الفعَّالية التي لا تنتج قيادات ووجوه جديدة ، فإنها تصبح أشبه بتطبيق الكتروني قد كتبنا بدايته وعرفنا نهايته، ولهذا تصبح معظم الفعَّاليات مثل المهمة والوظيفة المطلوب أداؤها في وقت محدد ونظام محدد وطريقة محددة، وهذا ما يجعل التكرار صفة ملازمة لمواصفات بعض الفعَّاليات وكيفية إدارتها، حتى وإن كانت مظاهر نجاحها مغرية وجاذبة.

إن التفاصيل المهنية والوظيفية لكل فعَّالية، هي تفاصيل هامة لا يجب إغفالها أو التوهين من قدرتها على إحداث التغيير والنجاح أو الجمود والفشل، ولكنها ليست جوهر التحديات والمهمات، لأن ما هو أعظم منها وأكثر تأثيراً، هو أن تكون الفعَّالية في شخصيتها وطبيعتها، وكأنها حالة تنموية استراتيجية تستفيد منها القطاعات المختلفة، سواء في عنوانها الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الفني أو الرياضي وغيرها من العناوين المعروفة، ومع أنني أدرك بأن الحالة التنموية الاستراتيجية قد لا تتوفر أو تتهيأ في بعض الفعَّاليات، ولكن يمكننا أن نلامس مشاعر التنمية والبناء في بعض التفاصيل، ولو بقدر ضئيل أو بسيط، وستبقى رؤيتنا الريادية والقيادية حاضرة بعطائها في أدق تفاصيل الأنشطة والمناسبات والفعَّاليات.

وبمعنى آخر، يجب أن يكون الطابع القيادي للفعَّالية ذي توجهات أعمق بكثير من كيان الفعَّالية. ومثال على ذلك: يتم إقامة فعَّالية للتدريب حول استثمار الإمكانيات المعرفية لدى الطلاب في صقل مواهبهم لتحصيل أعلى درجات التفوق في دراستهم الأكاديمية ، وهذه فعَّالية نافعة يستفيد منها الطلاب، ولكننا، إذا حصرنا استفادتهم في توجيههم وتحفيزهم نحو الحصول على درجات عالية وتبوأ مراتب تنافسية، فإننا نكون قد أغفلنا دورنا على صناعة القيادي والريادي المؤثر في حياته، ونكون، قد اختزلنا طاقاتهم في التنافس والتزاحم حول الدرجات والتكريم والإشتهار والأوسمة فقط، وهذه كلها حالات تجلب لهم السعادة، ولكنها سعادة مؤقتة،، كونها مرتبطة بمسار واحد فقط، وهو التفوق بالدرجات، وليس التفوق في القيادات.

وفي ختام قراءتي لثقافة القيادة والريادة، فإنني أشير إلى أن كل ما نحققه من إبداع واشتهار في مجال القيادة والريادة، يجب أن لا ينفصل عن أخلاقنا ومبادئنا الإنسانية، فالقيادة تكليف مسؤول يقود طموحاتنا وبرامجنا ومهماتنا نحو الكمال، ولا يجوز أن نجعلها تشريف يفتقر إلى الكرامة والنصيحة والشفافية، بحيث تصبح ألقاب ممجوجة وتوصيفات مهزوزة . إن السيرة الحسنة والمحمودة للقائد والريادي، لها فضل عظيم في خلق جيل من القادة والرياديين والإداريين، الذين وإن تنافسوا فإنهم لن يقدموا مكاسبهم الشخصية على المصلحة العامة.

إن القيادي المتميز ليس بذاك الذي يملك المنصب والرتبة واللقب، بل هو القيادي الذي يكسر نفسه من أهوائها وميولها، ويتحكم في رغباته وأنانيته، ويضع المنفعة العامة في أولوية مسؤولياته واهتماماته.

ودمتم قيادين وريادييين في هذا الوطن المعطاء .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*