روايات محلية ترجح انشائه بين 1995 و1996 على شاطئ بورصاص، وهو مقعد من بقايا حطام سفينة لرجل يكتب يومياته أمام البحر
زوار يشيدون بجمال الموقع ويدعون إلى الاهتمام بمقومات الجزيرة السياحية
مصيرة – سالم بن حمد الساعدي |
على أحد الشواطئ الساحرة بولاية مصيرة بمحافظة جنوب الشرقية، يقف مقعد خشبي يُعرف محلياً باسم “كرسي النصراني”، شاهداً على حكاية إنسانية ارتبطت بالبحر والعزلة والتأمل وكتابة اليوميات، في موقع تتعانق فيه التكوينات الصخرية مع أمواج البحر، ليشكل أحد المعالم الساحلية التي تستوقف الزوار وتثير فضولهم لمعرفة قصة هذا المقعد وأصل تسميته.
خلال جولة ميدانية أجرتها “وجهات” في عدد من شواطئ ولاية مصيرة، زارنا خلالها الموقع الواقع على إطلالة بحرية بشاطئ بو رصاص، حيث يتميز بموقعه بين الصخور المطلة على البحر، وما يحمله من آثار وكتابات على أجزائه الخشبية، في مشهد يجمع بين بساطة المكان وجمال الطبيعة، ويمنحه خصوصية سياحية وثقافية تستحق التعريف والتوثيق.
ولا تكمن أهمية “كرسي النصراني” في تصميمه البسيط أو موقعه المطل على البحر فحسب، وإنما في الحكاية التي يتناقلها أبناء الجزيرة بشأن نشأته وارتباطه بشخص اعتاد الجلوس عليه لمشاهدة البحر وتدوين يومياته، وهي رواية محلية تضيف بُعداً إنسانياً إلى المكان، وتفتح المجال أمام البحث في تاريخه وتوثيق تفاصيله.
روايات محلية
في لقاء أجرته “وجهات” مع سعيد بن راشد ود الجامعي العريمي، أحد أبناء ولاية مصيرة، أوضح أن تسمية الموقع بـ”كرسي النصراني” تعود وفق الروايات المحلية المتداولة إلى رجل نصراني كان يتردد على المكان ويجلس على المقعد متأملاً البحر ويقضي أوقاته في كتابة يومياته ورواياته وسط الأجواء الطبيعية الهادئة.

وأشار العريمي إلى أن الروايات المتوارثة ترجّح أن إنشاء المقعد يعود إلى الفترة بين عامي 1995 و1996، حيث جرى تجميع أجزائه الخشبية من حطام إحدى السفن وفق ما تتناقله الروايات المحلية بشأن نشأة الموقع.
وأضاف، أن المقعد يقع في موقع يتميز بإطلالة بحرية جميلة على شاطئ بورصاص وكان الرجل يقصده للجلوس أمام البحر، مستمتعا بهدوء المكان وجمال المشهد الطبيعي، ومستغرقاً في كتابة يومياته وما يجول في خاطره، وتمنح هذه الرواية الموقع خصوصية تتجاوز كونه مجرد مقعد خشبي على الشاطئ، إذ تربطه بذاكرة إنسانية تستحق البحث والتوثيق، خصوصاً أن التفاصيل المتعلقة بهوية الرجل وتاريخ المقعد لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقق من المصادر والشواهد المتاحة.
محطة للزوار

من جانبه، تحدث جمعة بن مبارك العريمي، أحد الزوار القادمين من خارج ولاية مصيرة، عن ارتباط زياراته للجزيرة بالمرور على هذا الموقع قائلًا: عند زيارتنا لولاية مصيرة، وخاصة عندما نتواجد على شواطئها نحرص على زيارة هذا الموقع”، وتعكس هذه الزيارات المتكررة ما يمكن أن تتمتع به المواقع الطبيعية البسيطة من جاذبية لدى الزوار، خاصة تلك التي تجمع بين جمال الإطلالة البحرية ووجود حكاية محلية تمنح المكان طابعًا مختلفًا عن غيره من المواقع الساحلية.
كما التقت “وجهات“، سالم بن حميد الساعدي، الذي تحدث عن شغفه بزيارة شواطئ مصيرة، موضحاً أن ما يشد انتباهه خلال زياراته المستمرة للولاية هو جمال شواطئها، التي تمثل بالنسبة إليه متنفساً يجد فيه الراحة والهدوء بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية.

وقال الساعدي، ما يشد انتباهي عند زيارتي المستمرة لولاية مصيرة هو شواطئها، فهي المتنفس الوحيد بالنسبة لي، وخلال وجودي على شاطئ جشار الشيخ حدثني بعض الأشخاص عن موقع يُعرف باسم كرسي النصراني فقررت الذهاب إليه ومشاهدته بنفسي”.
وأضاف أنه عند وصوله إلى الموقع شاهد المقعد الخشبي وما عليه من آثار كتابات، إلى جانب إطلالته الجميلة على البحر، معتبراً أنه يمثل موقعاً يمكن الاستفادة منه سياحيا
والتعريف به ضمن المواقع التي تستحق الزيارة في الجزيرة.
وتبرز هذه التجربة أهمية التعريف بالمواقع الساحلية غير المعروفة على نطاق واسع، حيث يمكن للروايات المتداولة بين الأهالي والزوار أن تسهم في اكتشاف مواقع جديدة وإدراجها ضمن البرامج السياحية للجزيرة.
معلم يحمل ذاكرة المكان

تضفي الرواية المرتبطة بصناعة المقعد من أخشاب حطام إحدى السفن جانباً آخر من الخصوصية على “كرسي النصراني” إذ تعكس في حال ثبوتها تاريخياً صورة من صور إعادة استخدام المواد البحرية وتحويلها إلى مكونات مرتبطة بالحياة اليومية والبيئة الساحلية، كما أن ارتباط المقعد بشخص كان يقضي أوقاته في التأمل والكتابة أمام البحر يمنحه بُعداً ثقافياً وإنسانياً، يمكن أن يشكل مادة ثرية للتوثيق والبحث في التاريخ الشفهي للجزيرة.
تظل المعلومات المتعلقة بتاريخ إنشاء المقعد ومصدر أخشابه وهوية الشخص الذي ارتبط اسمه بالموقع روايات محلية تحتاج إلى التحقق والتوثيق، بما يحافظ على مصداقية المعلومات المقدمة للزوار ويمنع تداول تفاصيل غير مثبتة بوصفها حقائق تاريخية.
السياحة الثقافية والبيئية
يفتح موقع “كرسي النصراني” المجال أمام الجهات المعنية بالسياحة والتراث في محافظة جنوب الشرقية، لدراسة إمكانية توثيق المواقع الساحلية التي تحمل أسماء وحكايات محلية، والاستفادة منها في تنويع التجربة السياحية بولاية مصيرة، ومن بين الأفكار التي يمكن دراستها وضع لوحة تعريفية بالموقع تتضمن اسمه وقصته بعد التحقق من تفاصيلها، إلى جانب توفير إرشادات للمحافظة على نظافته، وحماية أجزائه الخشبية من العبث والكتابات العشوائية، مع مراعاة طبيعة المكان وعدم التأثير في تكويناته الصخرية أو جماله الطبيعي، كما يمكن الاستفادة من معرفة كبار السن وأبناء الولاية في جمع الروايات المرتبطة بمثل هذه المواقع، وتوثيقها بالتعاون مع المختصين والمهتمين بالتاريخ المحلي، بما يسهم في المحافظة على الذاكرة الشعبية وتعريف الأجيال الجديدة والزوار بتاريخ الجزيرة وموروثها.

تتمتع ولاية مصيرة بمقومات سياحية متنوعة تشمل الشواطئ الممتدة والمناظر البحرية والتكوينات الصخرية والبيئات الطبيعية، وهي عناصر يمكن أن تتكامل مع السياحة الثقافية القائمة على اكتشاف حكايات الأماكن وأسمائها وتاريخها.
حكاية لتبقى
يؤكد الاهتمام الذي يبديه زوار الجزيرة بموقع “كرسي النصراني” أن جاذبية الوجهات السياحية لا ترتبط دائماً بحجم المنشآت أو ضخامة الاستثمارات، بل قد تبدأ من مقعد خشبي بسيط يطل على البحر، يحمل اسماً غير مألوف وحكاية يتناقلها الأهالي، فبين الروايات التي تربط المقعد برجل اعتاد كتابة يومياته أمام الأمواج، وزوار يحرصون على المرور بالموقع خلال رحلاتهم إلى مصيرة، تتشكل صورة لمعلم ساحلي يمكن أن يصبح محطة للتأمل والتعرف على جانب من ذاكرة الجزيرة.
يبقى “كرسي النصراني” على شاطئ بورصاص أكثر من مجرد مقعد خشبي يواجه البحر، فهو موقع ارتبط بحكاية إنسانية تستحق البحث، وذاكرة محلية تستحق الحفظ، وفرصة لإثراء السياحة الثقافية في ولاية مصيرة، لعل أجمل ما يمكن تقديمه لهذا المكان ليس تغيير ملامحه أو إقامة منشآت حوله، وإنما المحافظة على بساطته، وتوثيق قصته، وتعريف الزوار بها، حتى تظل حكاية ذلك الرجل الذي كان يجلس أمام البحر ويكتب يومياته حاضرة في ذاكرة المكان، لا مجرد رواية تتناقلها الأجيال ثم تطويها السنوات.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة