مقال | بروناي.. حكاية البدايات وخصوصية التجربة العُمانية

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست بعض الأماكن محطاتٍ نعبرها في مسيرة العمر، بل محطات تعبر فينا، وتترك في الذاكرة ما يتجاوز حدود المكان والزمان. وبروناي دار السلام واحدة من تلك الأماكن التي احتفظت لها في القلب بمكانة خاصة؛ فهي أول محطة دبلوماسية في مسيرتي، ومنها بدأت، بين عامي 1991 و1994، رحلة التعلّم واكتساب الخبرة، وتشكلت بعض ملامح رؤيتي للعمل الدبلوماسي. وقد استعدت شيئاً من تلك الأيام في كتابي «زماني الجميل»، لأن بعض الذكريات لا تشيخ، بل يزداد معناها كلما أدركنا أثرها في حياتنا ومسيرتنا الوطنية.

ومن أدفأ ما احتفظت به الذاكرة من تلك السنوات، لقاءاتي بجلالة السلطان حسن البلقية، سلطان بروناي دار السلام، الذي كان يخصّني في كل لقاء بالسؤال عن أخيه جلالة السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه. لم يكن السؤال، في وجدان من عايشه، مجرد مجاملة بروتوكولية، بل كان يحمل مودة صادقة وتقديراً لمسيرة عُمان، وإعجاباً بما حققته من تنمية، وبقدرتها على صون هويتها وخصوصيتها الحضارية وهي تنفتح على العالم. وكان في ذلك ما يعبّر عن علاقة تتجاوز حدود التواصل الرسمي إلى مساحة إنسانية أرحب، قوامها الاحترام المتبادل والتقدير الصادق لتجربة كل بلد.

ولا تزال في الذاكرة أيضاً مشاركة فرقة موسيقى الحرس السلطاني العُماني في احتفالات اليوبيل الفضي لبروناي؛ ذلك العرض المميز الذي قدّمته الفرقة، وما لقيه من إعجاب جلالة السلطان حسن البلقية. كان المشهد، بما حمله من انضباط وأناقة وأصالة، تعبيراً عن وجه من وجوه عُمان؛ دولة تعتز بمؤسساتها وتراثها، وتقدم هويتها إلى العالم بثقة هادئة، لا تحتاج إلى المبالغة كي تُعرّف بنفسها. يومها بدا الفن العسكري أكثر من عرض احتفالي؛ فقد أصبح لغة ثقافية جسّدت حضور الوطن، وأوصلت شيئاً من روحه إلى شعب صديق.

واليوم، مع الزيارة المرتقبة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى بروناي، تستعيد هذه الذكريات معناها الأوسع. فهي تذكّرنا بأن العلاقات الراسخة لا تُبنى بالاتفاقيات وحدها، وإنما بما يتراكم بين القيادات والشعوب من ثقة ومودة واحترام.

ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1984، واصلت مسقط وبندر سري بكوان تعزيز أواصر الصداقة والتعاون. وتتيح الزيارة فرصة لتجديد هذا المسار، وتوسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، وتعزيز التعاون الثقافي والتعليمي، وتحويل التقارب التاريخي إلى مبادرات يستفيد منها أبناء البلدين.

ولعل خصوصية التجربة العُمانية تتجلى هنا بوضوح: تنمية لا تنفصل عن الهوية، وانفتاح لا يعني الذوبان، ودبلوماسية تجعل من الاعتدال والحوار والاحترام المتبادل جسوراً إلى الآخرين.

ستظل بروناي في وجداني حكاية البدايات الجميلة، وذكرى وفاء متبادل بين بلدين. وإذا كان جلالة السلطان قابوس، طيب الله ثراه، قد ترك في تلك العلاقة أثراً من التقدير، فإن مسؤولية الحاضر أن يصون هذا الإرث ويمنحه آفاقاً جديدة في ظل القيادة الحكيمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق.

فأجمل ما تتركه الدبلوماسية ليس ما يُكتب في محاضر الاجتماعات، بل ما يبقى في الذاكرة من مودة، وما يتحول في حياة الأوطان إلى صداقة متجددة وشراكة تصنع المستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*