مقال | عُمان والصين.. زيارة ترسم ملامح المستقبل وتفتح آفاق الشراكة

د. ناصر بن علي الجهوري | 

تُقاس أهمية الزيارات الرسمية بين الدول بما تفتحه من آفاق، وما تؤسسه من شراكات تصنع المستقبل. ومن هذا المنطلق، تكتسب الزيارة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى جمهورية الصين الشعبية أهمية استراتيجية تتجاوز أبعادها السياسية والدبلوماسية.

فالعلاقات العُمانية الصينية تستند إلى إرث تاريخي عريق من التواصل الحضاري والتبادل التجاري، وهي اليوم أمام فرصة للارتقاء إلى شراكة استراتيجية أكثر عمقاً وتنوعاً، تواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.

وتعكس المؤشرات الاقتصادية حجم هذه العلاقة المتنامية، إذ بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 6.3 مليار ريال عُماني بنهاية أغسطس 2026، مما يعكس مكانة الصين شريكاً اقتصادياً وتجارياً لسلطنة عُمان.

ويتجه الطموح إلى استقطاب الاستثمارات النوعية، وتوطين الصناعات والتكنولوجيا، وتعزيز المحتوى المحلي. وفي هذا السياق، تبرز المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بوصفها منصة استراتيجية واعدة للاستثمارات الصينية، بما تمتلكه من موقع جغرافي ومقومات لوجستية وصناعية تؤهلها لتكون مركزاً للإنتاج والتصدير نحو الأسواق الإقليمية والعالمية.

وتتسع فرص التعاون لتشمل الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة وتقنيات الفضاء. وتبرز هنا أهمية بناء شراكات لا تقتصر على استيراد التقنيات، بل تمتد إلى توطينها وتأهيل الكفاءات الوطنية.

وفي موازاة ذلك، يمثل التعليم والبحث العلمي أحد أهم مسارات استدامة العلاقات بين البلدين. فالاستثمار في الإنسان ضمان لاستدامة الشراكات وتطورها. ومن هنا تبرز أهمية توسيع التعاون الجامعي، وتبادل الطلبة والباحثين، وتطوير البرامج الأكاديمية المشتركة، وتعزيز البحث العلمي. وتكتسب الزيارات الطلابية أهمية في تعريف الشباب العُماني بالتجربة الصينية في التعليم والابتكار والتكنولوجيا، وإطلاعهم على المؤسسات الصناعية والبحثية والثقافية.

ونظمت جامعة التقنية والعلوم التطبيقية الصيف الماضي رحلتين طلابيتين إلى الصين، تمثلان تجربة جديرة بالبناء عليها، وتطويرها إلى برامج سنوية مستدامة تشمل مزيداً من الطلبة والجامعات والتخصصات. كما يشكل كرسي السلطان قابوس للدراسات العربية بجامعة بكين نموذجاً مضيئاً للتواصل الثقافي والمعرفي، وتجسيداً لحرص سلطنة عُمان على بناء جسور الحضارة والحوار بين الشعوب.

أما السياحة، فتقدم مجالاً واعداً لتعميق التقارب الشعبي وتعزيز المصالح المشتركة؛ فما تزخر به سلطنة عُمان من تنوع طبيعي وتراث حضاري يؤهلها لاستقطاب مزيد من السياح الصينيين، من خلال الترويج الموجه وتطوير الربط الجوي والخدمات السياحية. كما تمثل الصين وجهة ثرية للسياحة العُمانية، خصوصاً الثقافية والتعليمية.

ويبقى الرهان في تحويل هذه الفرص إلى مشروعات تنفيذية ذات أهداف واضحة ونتائج قابلة للقياس، تعزز دور القطاع الخاص وتفتح آفاقاً أمام المؤسسات الوطنية والشباب.

فالعلاقات الراسخة تستمد جذورها من التاريخ، وتتجدد بالإنجازات والفرص. إنها فرصة لكتابة فصل جديد في تاريخ الصداقة العُمانية الصينية؛ تنتقل فيه العلاقة من إرث طريق الحرير إلى آفاق اقتصاد المعرفة، ومن التبادل التجاري إلى الشراكات الإنتاجية والعلمية، بما يخدم تطلعات البلدين والشعبين الصديقين، ويؤسس لشراكة مستدامة تستفيد منها الأجيال القادمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*