د. قاسم بن محمد الصالحي |
ليس كل ارتفاع في الراتب ارتفاعاً في مستوى المعيشة، كما أن كثرة الأرقام في الحساب المصرفي لا تعني بالضرورة اتساع الحياة. فالأجر، في معناه الاجتماعي، ليس رقماً يُدفع في نهاية الشهر، وإنما هو مقياس لما يستطيع الإنسان أن يفعله بثمرة عمله.
ولعل أبسط طريقة لاختبار قيمة الراتب أن نسأل: ماذا كان يستطيع أن يشتري بالأمس، وماذا يستطيع أن يشتري اليوم؟.
قد يرتفع الراتب أضعافاً خلال سنوات، ثم يتبين عند مقارنته بالأصول التي تحفظ القيمة، كالذهب مثلاً، أن نصيب العامل الحقيقي منها قد انكمش. وليس المقصود أن الذهب هو مقياس المعيشة الوحيد، وإنما أن هذه المقارنة تكشف الفرق بين ارتفاع الدخل في الورق، وانخفاض قدرته على الاحتفاظ بقيمته.
وهنا تبدأ المسألة الاجتماعية.
فحين تلتهم الأسعار الزيادة في الأجور، لا يخسر الإنسان جزءاً من دخله فحسب؛ بل يخسر شيئاً من قدرته على التخطيط. يصبح الادخار أصعب، وامتلاك المسكن أبعد، وتكوين الثروة أبطأ، وتتحول بعض القرارات الكبرى، كالزواج وتعليم الأبناء، من خيارات طبيعية إلى حسابات مرهقة.
والأشد خطراً أن يظل الإنسان يعمل سنوات طويلة دون أن يتحول عمله إلى أصل أو أمان أو فرصة لأبنائه. عندها لا يعود الراتب وسيلة للصعود الاجتماعي، بل يصبح أداة للمحافظة على الموقع نفسه.
وهذه هي القضية التي ينبغي أن تشغل الفكر الاقتصادي والاجتماعي معاً: هل الاقتصاد يرفع قدرة الناس على بناء حياتهم، أم يكتفي برفع قدرتهم على دفع تكاليفها؟.
فالطبقة الوسطى لا تقاس بما تتقاضاه شهرياً فقط، وإنما بما تستطيع أن تدخره وتملكه وتورثه من فرص. وإذا انخفض الفائض بعد الضروريات إلى حد يكاد يتلاشى، فإن المجتمع قد يشهد نمواً في المؤشرات، بينما تتراجع لدى أفراده القدرة على صناعة المستقبل.
وليس العدل الاقتصادي أن نقول للناس إن رواتبهم قد ارتفعت، وإنما أن نسألهم: هل اتسعت معها مساحة الأمان والاختيار؟.
فالإنسان لا يعيش بالراتب، بل بما يمنحه الراتب من كرامة وطمأنينة وقدرة على أن يقول للمستقبل: لديّ ما يكفي لأخطط له.
وإذا كان كل ارتفاع في الدخل تلتهمه زيادة في كلفة الحياة، فربما يكون السؤال الأصدق من “كم زاد راتبك؟”:
كم بقي من راتبك ليزيد حياتك؟.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة