د. قاسم بن محمد الصالحي |
كان المساء يهبط على فلسطين بطيئًا، كأن الشمس تخشى أن تترك الأرض وحدها في عتمتها. وفي مكانٍ ما من غزة، كانت أمٌّ تنفض الغبار عن ثوب طفلها، لا لتعيد إليه نظافته، بل لتتأكد أن ملامحه ما زالت هناك، وأن الركام لم يبتلع ما تبقّى من وجهه. لم تكن تسأل عن السياسة ولا عن خرائط الحدود؛ كانت تريد أن تعرف لماذا صار الطريق إلى الخبز مغامرة، ولماذا أصبح النوم امتحانًا للبقاء، ولماذا يحتاج طفلٌ إلى معجزة كي يكبر.
في فلسطين، لم تعد المأساة خبراً عابراً في نشرة المساء؛ صارت حياةً كاملة تُختصر في صورة، ثم تُطوى الصورة، ويعود العالم إلى شؤونه، بينما تبقى الأم تجمع ما تناثر من ذاكرتها، وتنتظر صباحاً لا تعرف إن كان سيأتي بوجه أقل قسوة.
وعلى الضفة الأخرى من البحر، في لبنان، كانت البيوت تنظر إلى السماء بقلق. هناك، حيث اعتاد الناس أن يزرعوا شرفاتهم بالزهور، صاروا يتساءلون عن المسافة بين البيت والغارة، وبين العودة والنزوح. فالحرب لا تكتفي بقتل الذين تصيبهم؛ إنها تربك حياة الذين ينجون، وتترك في قلوبهم أصواتًا لا يسمعها أحد. والنجاة، في بعض الأزمنة، ليست خروجًا من المأساة، بل دخولًا في حياة تحمل آثارها كل يوم.
أما سوريا، فقد وقفت طويلاً أمام مرآة التاريخ، بلداً أنهكته سنوات الصراع، وتفرقت في ذاكرة أهله صور البيوت التي غادروها وأحلام الحياة التي تمنوا استعادتها. هناك، لا يكفي أن تخفت أصوات السلاح حتى يشفى الناس؛ فالأوطان لا تستعيد عافيتها بقرار سياسي وحده، بل حين يستطيع الطفل الذهاب إلى مدرسته دون خوف، ويستطيع الأب أن يعمل مطمئناً، وتستطيع الأم أن تخطط للغد دون أن تخشى أن يسلبها الغد أبناءها.
ثلاثة بلدان، تختلف ظروفها ومساراتها، لكنها تلتقي عند الإنسان حين يجد نفسه أصغر من الصراع، وأضعف من الحسابات التي تُرسم بعيداً عن بيته. وفي كل واحدة منها، ثمة من يدفع الثمن دون أن يكون صاحب القرار؛ أمهات ينتظرن، وآباء يبحثون، وأطفال يتعلمون مبكراً أن العالم ليس دائماً المكان الآمن الذي وعدتهم به الحكايات.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية وأخلاقية تستحق التأمل. فقد تعرّض اليهود عبر التاريخ لاضطهادات ومذابح، بلغت ذروتها في المحرقة النازية، وهي مأساة إنسانية لا يجوز إنكارها أو التقليل من فداحتها. وقد أسهمت هذه الذاكرة، إلى جانب عوامل تاريخية وسياسية وأمنية أخرى، في تشكيل تصورات إسرائيلية عن البقاء والأمن. غير أن الاعتراف بمخاوف شعب وحقه في الأمان لا يعني تبرير سياسات تنتهك حقوق شعب آخر؛ فذاكرة المأساة ينبغي أن تكون دعوة إلى منع تكرار الظلم، لا ذريعة لتجاهل معاناة الفلسطينيين وحقوقهم في الحرية والأرض والكرامة.
وفي فلسطين، لا يمكن فهم المأساة الراهنة بمعزل عن المشروع الصهيوني الذي نشأ في سياق قومي وتاريخي معقد، ثم ارتبط بإقامة دولة إسرائيل عام 1948 وما رافقها من تهجير واسع للفلسطينيين وفقدانهم بيوتهم وأراضيهم. وقد تجلت الآثار الأكثر إيلاماً لهذا المسار في النكبة، ثم في الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأراضي وتقييد الحركة، وفي استمرار معاناة اللاجئين وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية المشروعة. وتكمن المعضلة الأخلاقية في أن السعي إلى تحقيق الأمن والوجود القومي لشعب لا يجوز أن يتحول إلى مشروع ينتقص من وجود شعب آخر وحقوقه.
ومن أبرز أوجه الخلل في الممارسات المرتبطة بالمشروع الصهيوني، حين تتخذ شكل الإقصاء والهيمنة، تحويل الأرض إلى موضوع تنازع على حساب أصحابها، وتغليب منطق القوة على فرص التعايش العادل، وتكريس واقع تتفاوت فيه الحقوق والقدرة على تقرير المصير. وقد عمّق الاستيطان والتهجير والقيود المفروضة على الحياة اليومية انعدام الثقة، وأضعف فرص السلام. وهذه انتقادات لسياسات وأفكار وممارسات محددة، لا حكم على اليهود جميعًا، ولا إنكار لحقهم في الأمن والكرامة؛ فاليهود ليسوا كتلة سياسية واحدة، كما أن نقد الصهيونية وسياسات إسرائيل لا ينبغي أن يتحول إلى عداء ديني أو عرقي.
فالفلسطيني لم يكن مسؤولاً عن جرائم النازية، ولا يجوز أن يتحمل تبعاتها على حساب أرضه وحريته وكرامته. وليس من العدل أن تُواجَه مظلومية تاريخية بإنتاج مظلومية جديدة، أو أن يصبح ألم شعب مبرراً لتجاهل آلام شعب آخر. فالحق في الأمن لا يلغي الحق في الحرية، والذاكرة لا تمنح أحداً حصانة من المساءلة، مهما كانت جراح الماضي عميقة.
ولعل أكثر ما يؤلم في مشهد فلسطين ولبنان وسوريا ليس الدمار وحده، بل اعتياد العالم عليه؛ أن تصبح صورة الطفل تحت الركام مألوفة، وأن يغدو النزوح رقمًا، وأن تتحول القرية المحترقة إلى تفصيل في بيان، وأن تُقاس السياسة بما تحققه من مكاسب، لا بما تنقذه من أرواح.
أيُّ عالمٍ هذا الذي يستطيع أن يشرح الحرب بكل لغاتها، ولا يجد لغةً كافية لشرح حق طفل في الحياة؟. وأيُّ عدالةٍ تلك التي تحتاج إلى مفاوضات طويلة كي تؤكد أن الإنسان لا ينبغي أن يُستهدف لأنه وُلد في المكان الخطأ من خريطة الصراع؟.
إن الشرق لا يحتاج إلى مزيد من الخطب التي تمجّد القوة، بقدر حاجته إلى شجاعة تعيد للإنسان مكانه في السياسة، وللقانون هيبته أمام السلاح، وللتاريخ وظيفته في تحذير الحاضر من أخطاء الماضي. فلا سلام يولد من إنكار حقوق الآخرين، ولا أمن يستقر على حساب كرامة الشعوب، ولا مستقبل يُبنى على ذاكرة تنتقي آلامها وتغفل آلام غيرها.
وحين يأتي المساء مرة أخرى، ستظل أمٌّ فلسطينية تنتظر، وعائلة لبنانية تتمنى العودة، وأبٌ سوري يحلم بأن يرى أبناءه يعيشون حياة عادية. لن يطلب هؤلاء من التاريخ أن ينتصر لهم في الكتب، بل أن يمنحهم فرصة بسيطة للحياة؛ بيتًا آمنًا، ومدرسة مفتوحة، وسماء لا يخشون النظر إليها.
فالأوطان لا تُقاس بما تنتصر به الجيوش وحدها، وإنما بما تحفظه من كرامة الإنسان. والتاريخ لا ينصف ضحاياه حين يبدّل أسماءهم، بل حين يتوقف عن صناعة ضحايا جدد.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة