مقال | عُمان.. حين يصبح السلام امتداداً للتاريخ

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست الوساطة في التاريخ العُماني وظيفة دبلوماسية طارئة، ولا دوراً تستدعيه الأزمات حين تضيق مسارات الحوار؛ إنها سمة ارتبطت بتجربة عُمان الحضارية، وبطبيعة حضورها في محيطها العربي والآسيوي والأفريقي عبر قرون طويلة. ولذلك، فإن عودة مسقط إلى واجهة الجهود الرامية إلى تقريب المواقف بين واشنطن وطهران، وما يرافقها اليوم من تقارب مع الصين، لا ينبغي قراءتها باعتبارها حدثاً سياسياً منفصلاً عن التاريخ، بل امتداداً لمسار عُماني قديم تتجدد أدواته بتجدد العصور.
ولعل جذور هذا المعنى تعود إلى زمن أبعد مما نتصور. فقد عرفت الجزيرة العربية أسواقاً لم تكن ساحات للتجارة وحدها، وإنما فضاءات للقاء القبائل، وتسوية الخصومات، وإطفاء النزاعات، وفداء الأسرى، وعقد المواثيق. ومن الشواهد اللافتة سوق حُباشة، الذي وصفه المؤرخون بأنه سوق الأزد في تهامة، على مسافة مراحل من مكة. وهو شاهد على الحضور التجاري والاجتماعي للأزد في محيط الحجاز، وعلى أن الأسواق العربية كانت تؤدي أحياناً وظيفة تتجاوز البيع والشراء إلى إصلاح ذات البين. كما عُرف سوق عكاظ بمجالس التحاكم وإبرام الصلح بين القبائل. وفي مجتمع كانت فيه العصبية القبلية قادرة على إطالة أمد الثأر، كان الاجتماع والحوار وسيلة لحفظ السلم وإعادة الوصل بين المتخاصمين.
وليس استحضار هذه الشواهد ادعاءً بأن دبلوماسية الدولة الحديثة امتداد مؤسسي مباشر لتلك الأسواق، وإنما هو استحضار لجذر حضاري تشكلت فيه قيمة التواصل وإصلاح الخلاف، وهي قيمة ظلت حاضرة في الذاكرة السياسية والاجتماعية العُمانية.
وقد تناولت في كتابي «العوامل الأساسية في تاريخ الدبلوماسية العُمانية» بعض المرتكزات التاريخية والحضارية التي أسهمت في تشكيل هذه الخصوصية؛ فالجغرافيا البحرية، والانفتاح التجاري، وتعدد دوائر الاتصال، والاستقلال في القرار، كلها عوامل أسهمت في بناء عقل دبلوماسي يدرك أن القوة ليست دائماً في المواجهة، وأن حماية المصالح قد تتحقق أحياناً بإبقاء أبواب الحوار مفتوحة.
وفي عهد السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، تبلورت هذه المرتكزات في سياسة خارجية حديثة، جعلت من التوازن وحسن الجوار واحترام سيادة الدول مبادئ ثابتة، ومن الوساطة إحدى أدوات الحضور العُماني المؤثر، كما تجلى في تيسير المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015.
واليوم، يمضي جلالة السلطان هيثم بن طارق بهذا الإرث في عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والأمن بالطاقة، والجغرافيا بالممرات البحرية. وتأتي الزيارة إلى الصين والبيان المشترك بشأن استئناف الحوار الأمريكي الإيراني ليؤكدا أن عُمان لا تكتفي بصيانة إرثها الدبلوماسي، بل تعمل على تطوير أدواته وتوسيع دوائر تأثيره. فالتعاون مع الصين يفتح مجالاً لربط جهود التهدئة بمصالح اقتصادية واستراتيجية أوسع، دون أن يعني ذلك انحيازاً إلى محور أو ابتعاداً عن شراكات أخرى.
إن الرهان العُماني في المستقبل لن يكون على الوساطة وحدها، بل على تحويل الثقة السياسية إلى شراكات تنموية، وجعل أمن الممرات البحرية والطاقة والتجارة مصالح مشتركة تحمي الاستقرار وتقلل فرص الصدام.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة، وإنما أيضاً بما تمنعه من حروب، وما تفتحه من أبواب للتفاهم، وما تتركه من أثر في حياة الشعوب.
عُمان لم تجعل السلام محطة في تاريخها؛ بل جعلته أحد الطرق التي تسير بها في التاريخ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*