مقال | من ألف اختراع إلى ألف سؤال

د. قاسم بن محمد الصالحي|

ليس أجمل ما في قصة “ألف اختراع واختراع” أن الغرب أعاد اكتشاف جانب من إسهامات الحضارة الإسلامية، ولا أن أسماء مثل الخوارزمي وابن الهيثم والجزري عادت إلى الواجهة؛ فذلك كله مهم، لكنه ليس جوهر الرسالة.

الرسالة الأهم أن الحضارة لا ينبغي أن تتحول في وجدان أبنائها إلى ذاكرة للفخر، وإنما إلى طاقة للفعل.

وهنا تبدأ مسؤوليتنا تجاه الأجيال العربية الناشئة.

فالطفل العربي اليوم يعيش في عالم مختلف جذريًا عن عالم أجداده. هاتف صغير يضع في يده مكتبة العالم، والذكاء الاصطناعي يغيّر شكل التعليم والعمل، والتكنولوجيا تدخل في الطب والطاقة والنقل والغذاء والمياه. لكنه، وسط هذا التدفق الهائل للمعلومات، يظل أمام السؤال الأصعب: هل سيكون مستهلكًا للمعرفة أم منتجاً لها؟.

لقد كان الخوارزمي أمام مسائل عصره، فابتكر في الرياضيات ما أصبح جزءًا من الأساس الذي قامت عليه علوم الحوسبة الحديثة. وكان ابن الهيثم أمام سؤال عن الضوء والرؤية، فحوّل السؤال إلى تجربة ومنهج. وكان الجزري أمام حاجات هندسية عملية، فحوّل الفكرة إلى آلة.

لم يكن هؤلاء العلماء يسألون: ماذا فعل أسلافنا؟. بل كانوا يسألون: ما الذي لم نعرفه بعد؟.

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن نزرعه في عقل الأجيال العربية الناشئة اليوم.

حين يرى مشكلة في الماء، لا نقول له فقط: كان في تراثنا علماء بارعون في الهندسة؛ بل نسأله: كيف يمكن أن نخفض هدر المياه؟

وحين يرى أزمة الطاقة، نسأله: كيف يمكن أن نجعل الطاقة أكثر كفاءة واستدامة؟.

وحين يستخدم تطبيقًا ذكيًا، نسأله: لماذا لا تصنع تطبيقًا يحل مشكلة في مدرستك أو مدينتك؟.

وحين يتعلم الذكاء الاصطناعي، لا نريده مجرد مستخدم لأدوات صنعها الآخرون، بل عقلاً قادراً على تطويرها وتوظيفها في خدمة مجتمعه.

المطلوب إذن ليس أن نعلّم أبناءنا أن أجدادهم كانوا عظماء فحسب، وإنما أن نعلّمهم كيف يكونون عظماء في زمانهم.

وهذا يبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة: من تعليم يكافئ السؤال لا الحفظ وحده، والتجربة لا التلقين، والمبادرة لا انتظار الإجابة الجاهزة.

فالتراث العلمي الحقيقي ليس تمثالًا ننظر إليه بإعجاب، بل جسر نعبره إلى المستقبل.

وقد آن لنا أن ننتقل من “ألف اختراع واختراع” إلى ألف سؤال وسؤال.

فكل اختراع عظيم بدأ بسؤال، وكل حضارة جديدة تبدأ بعقل صغير يجرؤ على أن يسأل:

لماذا؟ وكيف؟ وماذا لو جرّبنا؟.

وعندها فقط لا يصبح تراثنا العلمي قصةً عن الماضي، بل وعداً بالمستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*