مقال | عُمان وإفريقيا.. عودة إلى الجغرافيا القديمة بلغة جديدة

د. قاسم بن محمد الصالحي |

لم تكن إفريقيا يوماً بعيدة عن عُمان، فالعلاقة بين الجانبين أقدم من العلاقات الدبلوماسية الحديثة، وارتبطت لقرون بالتجارة والموانئ وحركة السفن عبر المحيط الهندي، كما ترك الحضور العُماني أثره في شرق القارة ومجتمعاتها الساحلية.

لكن زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى بوتسوانا وأنجولا، تمنح هذه العلاقة بعداً مختلفاً. فإفريقيا التي عرفتها عُمان تاريخيًا من بوابة التجارة البحرية، تدخل اليوم في حسابات الدبلوماسية الاقتصادية، بما تحمله من موارد وأسواق وفرص استثمارية وموقع متقدم في الاقتصاد العالمي.

في بوتسوانا، تبدو الأولويات واضحة: التعدين، والطاقة، والزراعة، واللوجستيات، إلى جانب فرص الاستثمار والتجارة. وقد انتقلت العلاقات بين البلدين، رغم حداثتها، بسرعة إلى مستوى المشاريع؛ ومن أبرزها مشروع الطاقة الشمسية في ماون بقدرة 500 ميغاواط، وما يرتبط به من تخزين للطاقة. كما يبرز قطاع التعدين، بما فيه الألماس والذهب، باعتباره مجالاً مهماً للتعاون والاستثمار.

وتكتسب جولة جلالة السلطان في مركز تجارة الألماس في غابورون دلالة اقتصادية خاصة، لأنها تفتح النقاش حول ما هو أبعد من استخراج الموارد، أي التصنيع والتجارة والقيمة المضافة. وهذه مسألة تتقاطع مع توجه عُمان نحو تنويع استثماراتها وبناء شراكات طويلة الأجل خارج القطاعات التقليدية.

أما أنجولا، فتأتي زيارتها ضمن مسار سبقته خطوات عملية. فقد شهدت العلاقات خلال الفترة الماضية مباحثات واتفاقيات في مجالات التعدين والطاقة والاستثمار، من بينها ما يتعلق بمنجمي كاتوكّا ولويلي للألماس. كما يمثل إنشاء بنك إفريقي عُماني في لواندا تطورًا مهمًا من زاوية توفير أدوات تمويل يمكن أن تدعم حركة التجارة والاستثمار بين عُمان والأسواق الإفريقية.

وتعطي طبيعة الوفد العُماني المرافق لجلالة السلطان مؤشرًا آخر على أهمية الجانب الاقتصادي في الجولة. فوجود رئيس جهاز الاستثمار العُماني ووزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار إلى جانب وزير الخارجية والمسؤولين المعنيين يعكس رغبة في تحويل العلاقات السياسية إلى فرص استثمارية ومشاريع قابلة للتنفيذ.

وهنا تبدو أهمية الزيارتين.

فالدبلوماسية الاقتصادية لا تعني البحث عن الموارد وحدها، وإنما بناء منظومة مصالح متبادلة. عُمان تملك موقعًا بحريًا وموانئ وبنية أساسية وخبرة تجارية واستثمارية، بينما تمتلك دول إفريقية مثل بوتسوانا وأنجولا موارد طبيعية وفرصًا في الطاقة والتعدين والزراعة والأسواق. ومن شأن الجمع بين هذه العناصر أن يفتح مجالات جديدة أمام الشركات والاستثمارات العُمانية.

كما أن اختيار بوتسوانا وأنجولا يحمل دلالة جغرافية واقتصادية. فبوتسوانا تمثل اقتصادًا يرتبط بقوة بالتعدين، خصوصًا الألماس، فيما تتمتع أنجولا بموارد كبيرة في النفط والتعدين والزراعة، فضلًا عن موقعها على المحيط الأطلسي. وهذا التنوع يتيح لعُمان التعامل مع إفريقيا من أكثر من زاوية، بدل حصر العلاقة في قطاع واحد.

وإذا كان التاريخ قد وضع عُمان في صلة مبكرة بالقارة الإفريقية، فإن المرحلة الحالية تختبر قدرة هذه الصلة على إنتاج شراكات جديدة. الفارق أن أدوات العلاقة تغيرت: التجارة البحرية القديمة يقابلها اليوم الاستثمار، والموانئ تقابلها سلاسل الإمداد، وتبادل السلع يتوسع ليشمل الطاقة والتعدين والتمويل والخدمات.

لهذا يمكن قراءة زيارة جلالة السلطان إلى بوتسوانا وأنجولا باعتبارها جزءًا من توجه أوسع في السياسة الخارجية العُمانية نحو توسيع الحضور الاقتصادي، وتنويع الشراكات، والاستفادة من الفرص التي توفرها الأسواق الإفريقية.

إفريقيا بالنسبة إلى عُمان ليست صفحة جديدة تمامًا؛ إنها علاقة قديمة يجري التعامل معها اليوم بأدوات جديدة. والسؤال الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون حجم الاتفاقيات التي تُوقّع، وإنما قدرتها على التحول إلى استثمارات ومشاريع مستدامة، وعلى خلق مصالح مشتركة تستمر بعد انتهاء الزيارات.

وهذا، في النهاية، هو المعيار الذي ستقاس به نتائج الجولة: ما الذي ستضيفه هذه الزيارات إلى الحضور الاقتصادي العُماني في إفريقيا خلال السنوات المقبلة؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*