د. قاسم بن محمد الصالحي |
ثمة زيارات لا تأتي من فراغ، وإن بدت في ظاهرها محكومة بجدول المراسم. وراءها حركة أعمق تشبه حركة الريح في البحر؛ لا تُرى دائماً، لكن يمكن قراءة اتجاهها من حركة السفن.
ومن هنا تبدو زيارة الرئيس الرواندي بول كاغامي إلى سلطنة عُمان أكثر من مناسبة دبلوماسية؛ إنها لحظة يلتقي فيها تاريخ عُمان الإفريقي بجغرافية رواندا، وتلتقي الجغرافيا باقتصاد المستقبل.
عُمان لم تكن يوماً غريبة عن إفريقيا. فقد حمل البحر العُماني سفناً إلى سواحلها، وحملت تلك السفن معها التجارة والثقافة والإنسان، فكان المحيط الهندي فضاءً للتواصل قبل أن يصبح العالم قرية سياسية واقتصادية. غير أن التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى حنين. قيمته الحقيقية حين يصبح جسراً إلى المستقبل.
وهنا تأتي رواندا.
دولة حبيسة في قلب القارة، لكنها ليست محاصرة بالطموح. استطاعت أن تبني لنفسها صورة دولة إفريقية صاعدة، وأن تجعل من موقعها الجغرافي قاعدة للانفتاح على شرق ووسط إفريقيا. وفي الجهة الأخرى تقف عُمان على بحر مفتوح، بموانئها ومناطقها الاقتصادية وخبرتها اللوجستية وصلاتها بالأسواق الآسيوية والإفريقية.
إنها، ببساطة، جغرافيا تبحث عن بعضها بعضاً.
ولذلك فإن الرؤية الأبعد لا تكمن في زيادة التبادل التجاري بين مسقط وكيغالي فحسب، بل في بناء نموذج استثماري يجعل من البلدين حلقتين في سلسلة اقتصادية واحدة: عُمان بوابة بحرية ومالية ولوجستية إلى العالم، ورواندا بوابة برية إلى أسواق شرق ووسط إفريقيا.
وقد بدأت هذه الفكرة تخرج من إطار التصور إلى أرض الواقع، مع التعاون في الموانئ الجافة وسلاسل الإمداد، والطيران، وتطوير المطارات، ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وهي مجالات تقول إن العلاقة تتجه من تجارة الأشياء إلى صناعة القيمة.
فالطريق بين مسقط وكيغالي ليس بالضرورة طريقاً لبضاعة واحدة؛ قد يكون طريقًا لرأس المال، وللخبرة، وللتكنولوجيا، وللشركات التي تبحث عن موطئ قدم في إفريقيا.
وهنا تكمن الاستراتيجية: ألا تنظر عُمان إلى رواندا كسوق منفردة، ولا إلى إفريقيا كسوق بعيدة، بل كفضاء استثماري يمكن الدخول إليه من بوابة رواندا، كما يمكن للعالم أن يدخل إلى إفريقيا عبر بوابة عُمان.
إنها عودة مختلفة إلى إفريقيا؛ ليست عودة السفن القديمة، وإنما عودة الفكرة نفسها بثوب اقتصادي جديد.
فالتاريخ يعطي الاتجاه، والجغرافيا ترسم الطريق، أما الاقتصاد فيبني الجسر.
ولعل أجمل ما يمكن أن تتركه زيارة كاغامي هو أن نرى في العلاقة العُمانية ـ الرواندية بداية طريق لا نهاية زيارة؛ طريقاً يبدأ من مسقط، يعبر إلى كيغالي، ثم يتسع حتى يصبح جسراً بين الخليج وإفريقيا.
فقد أعطى التاريخ عُمان البحر، وأعطت الجغرافيا رواندا موقعها في قلب القارة؛ أما المستقبل، فقد آن له أن يمنحهما معاً لغة جديدة اسمها: الاستثمار.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة