مقال | نظرة.. من السياحة المستدامة إلى السياحة التجديدية

د. ناصر بن علي الجهوري |

يُقاس النجاح السياحي اليوم بالأثر الإيجابي الذي يتركه الزائر في المكان، والإنسان، والاقتصاد، والبيئة. فالسؤال لم يعد: كم سائحاً استقبلنا؟. وإنما: ماذا أضاف هذا السائح إلى الوجهة؟.

على مدى عقود، انشغلت دول العالم بمفهوم السياحة المستدامة لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على الموارد الطبيعية والثقافية. غير أن الفكر التنموي يتجه اليوم إلى ما هو أبعد من الحفاظ على الموارد، نحو تحسينها واستعادة حيويتها وتعظيم قيمتها. ومن هنا برز مفهوم السياحة التجديدية (Regenerative Tourism)، الذي يعيد النظر في فلسفة التنمية السياحية وأهدافها.

فإذا كانت السياحة المستدامة تسأل: كيف نمنع الضرر؟. فإن السياحة التجديدية تسأل: كيف نجعل المكان أفضل مما كان عليه؟. إنها نقلة من تقليل الأثر السلبي إلى تعظيم الأثر الإيجابي؛ بحيث يسهم المشروع السياحي في استعادة النظم البيئية، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وإحياء التراث، وتعزيز جودة الحياة للمجتمعات المضيفة.

وتمتلك سلطنة عُمان مقومات طبيعية وثقافية تؤهلها لبناء نموذج إقليمي في السياحة التجديدية؛ من جبال الحجر ورمال الشرقية، إلى السواحل والأودية والواحات والمحمّيات الطبيعية والقرى التاريخية، وصولاً إلى خريف ظفار. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المقومات تكمن في حسن إدارتها وتجديدها وتعظيم عوائدها للأجيال القادمة.

وتقدم محافظة ظفار مثالاً واضحاً على هذه الفرصة. فبدلاً من أن يقتصر الاهتمام على استقطاب الزوار خلال موسم الخريف، يمكن توظيفه منصةً للتجديد البيئي والاقتصادي والاجتماعي، عبر إعادة تأهيل المواقع الطبيعية، وتنظيم الحركة السياحية، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، وتنمية الحرف والمنتجات العُمانية، وإيجاد أنشطة تمتد آثارها الاقتصادية إلى ما بعد الموسم.

ويمكن أن يتم ذلك من خلال تطوير وجهات سياحية تجديدية نموذجية، بحيث يشمل تقييم نجاحها التحسن البيئي، وفرص العمل، والقيمة المحلية، وإحياء التراث، إلى جانب أعداد الزوار والإيرادات. بالإضافة إلى تحديث معايير المشاريع السياحية لقياس أثرها الصافي على البيئة والمجتمع والاقتصاد المحلي، بحيث يكون المشروع الأفضل هو الأكثر قدرة على إعادة إنتاج القيمة. وكذلك تعزيز دور المجتمع المحلي في التخطيط والاستثمار والتشغيل والاستفادة من العوائد، ليصبح شريكاً في صناعة السياحة، وتبقى حصة أكبر من الإنفاق السياحي داخل المجتمع. وذلك من خلال إعادة صياغة مؤشرات النجاح السياحي، بالانتقال من سؤال «كم استقبلنا؟» إلى أسئلة أعمق: كم وظيفة خلقنا؟. وكم مشروعًا محلياً نشأ؟ وكم موقعاً طبيعياً تحسن؟. وما مقدار القيمة التي بقيت في المجتمع بعد مغادرة السائح؟.

ومن هنا، فإن الفرصة أمام سلطنة عُمان تتمثل في بناء نموذج خاص في السياحة التجديدية؛ نموذج يستند إلى طبيعتها، ويصون هويتها، ويمكّن مجتمعاتها، ويستثمر مواردها بذكاء، ويحوّل كل وجهة سياحية إلى مشروع تنموي متجدد. فالتنمية الحقيقية ليست أن نحافظ على ما ورثناه فحسب، وإنما أن نسلّم الأجيال القادمة ما هو أفضل مما تسلّمناه. وتلك، في جوهرها، هي الفلسفة التي ينبغي أن تقود سياحتنا إلى المستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*