مقال | الأسرة العُمانية في مرآة الأرقام

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في آخر الشهر، جلس الأب مع زوجته بعد أن نام الأبناء. كان يتصفح هاتفه حين توقف عند خبر يتحدث عن متوسط دخل الأسرة العُمانية، وقرأ الرقم أكثر من مرة: 1839 ريالًا.

رفع رأسه وقال: “هذا متوسط دخل الأسرة؟”

أجابته زوجته بهدوء: “هكذا تقول الدراسة”.

ظل صامتاً لحظات، ثم أخذ يستعرض في ذهنه تفاصيل الشهر: قسط السيارة، فواتير المنزل، مصاريف الأبناء، الوقود، احتياجات البيت، والتزامات أخرى. ثم قال سؤالًا بسيطًا: “إذن.. أين يذهب هذا الدخل؟”.

ربما يختصر هذا السؤال جانباً مهماً من النقاش الذي أثارته نتائج دراسة دخل وإنفاق الأسرة. فهو لا يعني بالضرورة التشكيك في الرقم أو المنهجية، بقدر ما يعكس المسافة بين الرقم الإحصائي والتجربة اليومية للمواطن.

فالمتوسط الحسابي لا يعني أن كل أسرة تحصل على المبلغ نفسه، ولا يمثل بالضرورة راتب رب الأسرة. وقد تخفي المتوسطات فروقاً واسعة بين الأسر بحسب عدد أفرادها، ومصادر دخلها، وموقعها الجغرافي، وغيرها من العوامل.

لذلك، فإن السؤال الذي يستحق النقاش ليس فقط: “هل متوسط دخل الأسرة 1839 ريالًا؟”، وإنما أيضاً: كيف يتوزع هذا الدخل بين الأسر؟.

وكم أسرة تقع دون هذا المتوسط؟. وكم أسرة تتجاوزه؟. وما حجم الدخل المتاح بعد الالتزامات؟. وكيف تختلف الصورة بين الأسر الصغيرة والكبيرة وبين المناطق والمحافظات؟.

هذه التفاصيل هي التي تمنح الرقم معناه الاجتماعي.

أما استخدام الذكاء الاصطناعي في الدراسة، فهو تطور مهم في أدوات العمل الإحصائي، ويمكن أن يتيح تحليل كميات واسعة من البيانات واستخراج مؤشرات أكثر تفصيلًا. لكن التقنية تظل أداة لقراءة الواقع، وليست بديلًا عن فهمه.

فالمواطن لا يعيش داخل متوسط حسابي؛ إنه يعيش داخل بيت، وله أسرة والتزامات وأولويات. ولذلك يمكن أن يكون الرقم صحيحًا من الناحية الإحصائية، وفي الوقت نفسه يكون سؤال المواطن مشروعاً من الناحية الاجتماعية.

وربما تكمن قيمة الدراسة الحقيقية في ألا تتوقف عند إعلان المتوسطات، بل تفتح الباب أمام فهم أوسع لبنية دخل الأسرة العُمانية وأنماط إنفاقها وقدرتها على الادخار.

فالمطلوب ليس أن ينتصر الرقم على الشعور، ولا أن ينتصر الشعور على الرقم، وإنما أن يساعد الاثنان معًا على رؤية الواقع بصورة أوضح.

وفي نهاية كل شهر، سيعود الأب إلى دفتر مصروفاته، وربما يعود إلى السؤال نفسه:

“كم دخل البيت؟ وكم بقي منه؟”.

وبين الرقمين تبدأ الحكاية الحقيقية للأسرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*