مقال | الصرب.. سياحة العافية

د. عيسى العمري | 

المثير للاهتمام أن الهدوء أصبح اليوم من أكثر ما يسافر الناس بحثاً عنه. فبعد سنوات من الإيقاع المتسارع وهيمنة التقنية وتطبيقات التواصل الإجتماعي التي لا تهدأ، يسعى الكثير إلى فرصة نادرة للجلوس مع أنفسهم بعيداً عن الضجيج، واستعادة لحظات من السكينة وسط صخب الحياة اليومية المتواصل.

هذه الفكرة ليست جديدة على ثقافتنا، فديننا الحنيف دعا إلى التأمل والتفكير والخلوة بالنفس، وجعلها طريقاً لتزكية الروح وتعميق الإيمان. ولعل ما يلفت الانتباه أن العالم عاد اليوم ليكتشف قيمة ما عرفته البشرية منذ زمن طويل، فراحة النفس أصبحت هدفاً يسعى إليه الملايين من السياح، وتحولت إلى قطاع سياحي متنام يعرف بسياحة العافية.

وفي سلطنة عُمان، تبدو هذه الفرصة أقرب مما نتصور، فالسلطنة لا تمتلك الطبيعة الجميلة فقط، وإنما تملك شيئاً أكثر أهمية، الإحساس بالسكينة. هناك إنسان يرحب بالجميع وهناك جبال تحتضن الأفق وأودية هادئة وشواطئ واسعة تمنح الزائر مساحة للتأمل والهدوء، وهي عناصر يبحث عنها الكثير من المسافرين الراغبين في استعادة توازنهم بعيداً عن تسارع الحياة وازدحام المدن. 

وتبرز هذه الميزة بشكل أكبر خلال موسم الصرب، ففي الوقت الذي تهدأ فيه الحركة السياحية بعد موسم الخريف، تستعيد الطبيعة إيقاعها الهادئ . هنا يمكن تقديم تجارب سياحية مختلفة تماماً عن السياحة التقليدية مسارات للمشي وسط الجبال وجلسات تأمل بين أحضان الطبيعة وإقامات ريفية بسيطة وتجارب تشجع الزائر على التواصل مع الطبيعة أكثر من التواصل مع شاشة هاتفه.

الفرصة الحقيقية لا تكمن في إمتلاك هذه المقومات فقط وإنما في تحويلها إلى تجارب سياحية متكاملة يمكن لزائر أن يعيشها ويعود ليرويها للآخرين. فالعالم اليوم لا يبحث دائماً عن المباني الشاهقة أو الفعاليات الصاخبة وإنما شعور مختلف يرافقه بعد إنتهاء الرحلة.

وفي ظفار تملك هذا الشعور بالفعل، وما تحتاجه هو رؤية تستثمر هذا الهدوء وتقديمه للعالم كقيمة سياحية فريدة، فربما تكون أفضل البرامج السياحية التي يمكن أن تقدمها وجهة سياحية لزوارها ليست برنامجاً مزدحماً بالأنشطة وإنما لحظات صادقة من السكينة يصعب العثور عليها في أماكن كثيرة من العالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*