د. قاسم بن محمد الصالحي |
ما من جبلٍ عظيم إلا وله سرٌّ لا تقوله السهول، وما من أرضٍ ارتفعت في السماء إلا وفي ارتفاعها معنى يتجاوز الحجر. والجبل الأخضر في عُمان ليس جبلاً فحسب؛ إنه صفحة من كتاب البلاد، كتبتها الطبيعة على مهل، ثم جاء الإنسان فأضاف إليها من يده ما جعل الصخر قابلاً للحياة، والوادي قابلاً للزراعة، والورد قابلاً لأن يصبح ذاكرةً تُشمّ قبل أن تُروى.
ومن هنا تبدو تسمية الجبل الأخضر عاصمةً للسياحة الخليجية لعام 2037 أكثر من تكريمٍ لمكان؛ إنها التفاتة إلى وجه آخر من وجوه الخليج، وإلى عُمان التي لا تختصرها سواحلها ولا مدنها، بل تمتد في جغرافيتها من زرقة البحر إلى خضرة الجبل، ومن الميناء الذي يستقبل العالم إلى القرية التي تحفظ حكاية الإنسان الأول مع الماء والأرض.
والجبل الأخضر لا يملك مقومات السياحة لأنه جميل فقط؛ فالجمال وحده لا يصنع صناعة، وإنما الذي يصنعها هو اجتماع الطبيعة بالإنسان، والتراث بالاقتصاد، والمشهد بالتجربة. ففي مدرجاته الزراعية قصة معرفة، وفي ورد الجبل اقتصادٌ محتمل، وفي الرمان والزيتون والعسل والحرف المحلية أبوابٌ يمكن أن تفتح للسياحة طريقً آخر، يجعل الزائر شريكاً في اكتشاف المكان لا مجرد عابرٍ فوقه.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي في عام 2027 ليس: كم سائحاً سيزور الجبل الأخضر؟. بل: ماذا سنصنع من هذه الفرصة؟.
فالفعاليات تنتهي بانتهاء موسمها، أما البنية السياحية فتبقى. والصورة التي يلتقطها الزائر تزول من ذاكرته إن لم تصحبها تجربة. أما حين يجد مساراً جبلياً آمناً، ومزرعةً تستقبله، وحرفةً يتعلمها، ومنتجًا محليًا يحمله معه، وحكايةً يسمعها من أهل المكان، فإنه لا يغادر الجبل وحده؛ بل يحمل الجبل معه إلى بلده.
وهنا ينبغي أن يكون الاستثمار في الجبل استثماراً في أهل الجبل قبل فنادق الجبل. فالسياحة المستدامة لا تقتلع المكان من أهله لكي تقدمه إلى زواره، وإنما تجعل أهله أصحاب نصيبٍ في مستقبله؛ تحمي بيئته، وتصون معماره، وتفتح لشبابه أبواب العمل، وتحول المنتجات الزراعية والحرفية إلى قيمة اقتصادية، وتربط المعرفة المحلية بالتقنية الحديثة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله عام 2027 أن يجعل من الجبل الأخضر مختبراً عمانياً للسياحة الجبلية المستدامة؛ نموذجاً يُحتذى، لا موسماً يُنسى.
فالجبال لا تطلب منا أن نرفعها أكثر؛ إنها تعلمنا كيف نرفع ما حولها.
وإذا أحسناً الإصغاء إلى درس الجبل، فقد يكون عام 2027 العام الذي لا يصبح فيه الجبل الأخضر عاصمةً للسياحة الخليجية فحسب، بل عاصمةً لفكرةٍ جديدة: أن تكون السياحة وسيلةً لحفظ المكان، وتنمية الإنسان، وصناعة المستقبل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة