د. ناصر بن علي الجهوري |
تُقاس المدن بقدرتها على تحقيق التكامل، ورفع جودة الحياة، وتحويل الابتكار إلى قوة اقتصادية واجتماعية مستدامة. ومن هذا المنطلق، فإن مشروع مسقط الكبرى يتجاوز أبعاد التخطيط الحضري التقليدي، ليؤسس لرؤية تنموية شاملة تستهدف بناء مدينة مستدامة وقادرة على استقطاب العقول والاستثمارات.
وتكمن أهمية المشروع في كونه إطاراً وطنياً متكاملاً لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان والاقتصاد والمعرفة، وتنظيم الامتداد العمراني ورفع كفاءة البنية الأساسية بما يواكب متطلبات التنمية المستقبلية.
لقد أصبحت الحواضر محركات للإنتاج والاستثمار والإبداع، ويأتي مشروع مسقط الكبرى في توقيت حاسم، مع تسارع جهود سلطنة عُمان نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة ضمن مستهدفات رؤية عُمان 2040، الأمر الذي يجعل من التخطيط الحضري الذكي إحدى الأدوات الرئيسة لدعم هذه التحولات.
فإلى جانب مشروعات الطرق والإسكان والخدمات وشبكات النقل (المترو)، يرتبط المشروع بجودة الحياة، وكفاءة الاستثمار، واستدامة الموارد، وجاذبية البيئة الحضرية للكفاءات والشركات المبتكرة.
ومن أبرز ما يمنح المشروع بُعده الاستراتيجي قدرته على تكامل القطاعات التنموية وتعظيم أثرها. ففي القطاع الاقتصادي، يهيئ بيئة جاذبة للاستثمار عبر تطوير مراكز الأعمال والمناطق متعددة الاستخدامات وتعزيز كفاءة النقل والخدمات اللوجستية. أما في القطاع السياحي، فإنه يسهم في إبراز الهوية العمرانية والثقافية لمسقط وتطوير واجهات حضرية وسياحية جاذبة للزوار والاستثمارات.
وفي الجانب الاجتماعي، ينعكس المشروع على جودة الحياة من خلال تحسين الخدمات وتطوير المساحات العامة وتعزيز مفاهيم المدن الصديقة للإنسان، بما يرفع مستويات الرضا المجتمعي ويوفر بيئة أكثر توازناً واستقراراً. كما يسهم التخطيط الحضري المتكامل في الحد من الاختناقات المرورية وتحسين كفاءة الطاقة وتعزيز التوازن البيئي، وهي مؤشرات أساسية لتقدم المدن واستدامتها.
غير أن القيمة الأعمق للمشروع تتجلى في رسالته الفكرية والتنموية؛ فالدول والمدن التي تستثمر في المعرفة والابتكار تؤسس لمستقبل أكثر قدرة على المنافسة والاستمرارية. فالاقتصاد الحديث يعتمد على الأفكار والمهارات والقيم، وعلى القدرة على تحويل الإبداع إلى قيمة مضافة وفرص تنموية مستدامة.
ومن هنا، ينبغي أن يُقاس نجاح مشروع مسقط الكبرى بقدرته على إيجاد بيئة محفزة للإبداع والبحث العلمي وريادة الأعمال، وربط الجامعات والمؤسسات التعليمية بالاقتصاد الحضري الجديد، وتمكين الشباب من المشاركة الفاعلة في صناعة مستقبل المدينة.
إن المستقبل لا تصنعه المدن الأكبر مساحة، بل المدن الأكثر وعياً وقدرة على استثمار الإنسان والمعرفة. ومسقط، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وتاريخ عريق واستقرار وإمكانات بشرية واعدة، تملك فرصة لتكون نموذجاً إقليمياً لمدينة عربية حديثة تجمع بين الهوية والاستدامة والابتكار. وفي ظل هذا التوجه، فإن مشروع مسقط الكبرى لا يمثل مجرد مشروع عمراني، بل مشروعاً حضارياً وتنموياً متكاملاً يضع الإنسان والمعرفة والابتكار في قلب عملية التنمية، ويؤسس لمدينة تصنع مستقبلها بثقة واقتدار.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة