مقال | عُمان.. حين يصبح الطريق رحلةً في العالم

د. قاسم بن محمد الصالحي |

قالها رجل سعودي، وربما لم يقصد أن يصنع منها حكمة: “اللي يريد يشوف العالم كله في عُمان”.

لكنني، كرحالةٍ تعلّم أن بعض الجمل العابرة تخبئ وراءها جغرافيا كاملة، وجدتني أتوقف عندها. ماذا رأى الرجل حتى اختصر عُمان كلها في هذا القول؟.

ربما رأى ما لا تراه الخرائط.

فالخريطة تقول إنك في جنوب الجزيرة العربية، لكن الطريق إلى ظفار يقول شيئًا آخر. كلما اقتربت من صلالة، بدأ المشهد يتبدل بهدوء؛ كأن الأرض تخلع ثوبًا وترتدي آخر. يهبط الضباب من الجبال، ويتكاثف الرذاذ، وتخرج الخضرة من بين الصخور، حتى يخيل إليك أنك أخطأت الطريق، وأنك وصلت إلى بلد بعيد لا يشبه ما تركته خلفك.

ثم تمضي.

تتلوى بك الطريق بين الجبال، فتطل عليك الوديان، وتختبئ القرى في السفوح، وتظهر أشجار اللبان كأنها حراس لذاكرة قديمة. وبعد قليل ينفتح البحر أمامك فجأة، واسعًا أزرق، فتدرك أن المسافة بين الجبل والمحيط هنا ليست مسافة جغرافية فحسب، بل انتقال بين عالمين.

وفي مكان آخر، عين ماء تنبض وسط الخضرة، وشاطئ يمد الرمل حتى الأفق، وكهف يحفظ في عتمته سرًا من أسرار الأرض.

هكذا تبدأ في فهم العبارة السعودية.

إنها ليست مبالغة سائح مأخوذ بجمال الخريف؛ إنها، في جوهرها، وصفٌ لعُمان التي اختارت الطبيعة فيها أن تكون متعددة الوجوه.

لكن الرحلة لا تنتهي عند الطبيعة.

فثمة عُمان أخرى لا تظهر في الصور: عُمان الإنسان.

في مجلس صغير، أو على قارعة طريق، أو في سوق شعبي، قد يلتقي الزائر بعُماني لا يعرفه، فيبادله السلام، ويسأله عن رحلته، ويدله على الطريق، وربما دعاه إلى القهوة والتمر. عندها يكتشف الرحالة أن الضيافة ليست خدمة سياحية في هذا المكان؛ إنها جزء من تكوينه الاجتماعي، ومن ذاكرته الممتدة في طرق القوافل والبحار.

ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يحمله الزائر من ظفار ليس صورة لجبل غارق في الضباب، ولا مشهداً لشلال بعد المطر.

إنه ذلك الشعور الغامض بأن المكان أكبر من أن يُختصر في صورة.

يأتي السائح إلى صلالة بحثًا عن الخريف، فيقوده الخريف إلى الجبل. ويقوده الجبل إلى الوادي، والوادي إلى البحر، والبحر إلى تاريخ اللبان، والتاريخ إلى الإنسان. ثم يجد نفسه، من حيث لا يدري، يكتشف عُمان.

وهنا تتجاوز السياحة معناها المعتاد.

فالدول قد تمتلك الجبال والبحار والطقس الجميل، لكن ليس كل بلد يستطيع أن يجمع الطبيعة والتاريخ والثقافة والإنسان في رحلة واحدة، ثم يمنح الزائر شعورًا بأنه لم يكن مجرد عابر.

ولعل سر عُمان ليس في أنها تشبه العالم كله، وإنما في أنها تحتفظ بعوالمها الخاصة داخل حدودها.

من مسندم إلى ظفار، ومن البحر إلى الجبل، ومن القلاع إلى الأسواق، ومن اللبان إلى الأفلاج، تتغير الجغرافيا ويبقى شيء واحد لا يتغير: ذلك الهدوء العُماني الذي يجعل المكان أقل صخبًا، وأكثر قدرة على أن يُكتشف على مهل.

فالرحالة الحقيقي لا يبحث عن بلد يدهشه للحظة؛ يبحث عن مكان يجعله يعيد النظر في نفسه وفي العالم.

ولهذا ربما كان الرجل السعودي أكثر دقة مما ظن.

فمن أراد أن يرى العالم كله، ليس عليه دائمًا أن يقطع القارات.

أحيانًا يكفي أن يسلك طريقاً في عُمان.. ثم يترك الطريق يقوده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*