د. قاسم بن محمد الصالحي |
ليست المشكلة في رخصة القيادة وحدها، كما أنها ليست في الوافد وحده. المشكلة، في حقيقتها، أوسع من ذلك بكثير؛ إنها مشكلة مدينة تكبر، واحتياجات تتغير، وسيارات تتكاثر، بينما ما زلنا في أحيان كثيرة نعالج نتائج المشكلة بدل أن نذهب إلى جذورها.
أثار الحديث الأخير حول التوسع في منح رخص القيادة للوافدين نقاشًا يستحق أن يؤخذ بجدية، لا باعتباره نقاشًا ضد الوافد أو مع المواطن، وإنما باعتباره سؤالاً عن كيف نريد أن تكون مسقط بعد عشر سنوات؟.
فكل رخصة قيادة جديدة قد تعني مركبة جديدة، وكل مركبة جديدة تحتاج إلى طريق وموقف ومساحة وحركة. وإذا لم تكن هناك منظومة نقل عام قادرة على استيعاب الطلب، فإن السيارة الخاصة ستصبح الخيار الطبيعي، ثم يتحول الطبيعي إلى ضرورة، والضرورة إلى ازدحام.
وهنا لا يكفي أن نقول: نحتاج إلى مزيد من الطرق.
فالطريق الذي يتسع اليوم قد يضيق غداً إذا ظل الطلب على السيارة يتزايد بالوتيرة نفسها.
وقد كتبت سابقًا عن ظاهرة الوقوف العشوائي للشاحنات، وعن مشاهد بعض الطرق التي تتحول إلى مواقف مفتوحة، وعن سلوكيات مرورية يحملها بعض الوافدين معهم من بيئات تختلف في أنظمتها وثقافتها المرورية. لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن المشكلة ليست في جنسية السائق، وإنما في السلوك الذي يسمح به ضعف الرقابة أو غياب الردع.
فالذي يأتي إلى عُمان ينبغي أن يتعلم ثقافة الطريق العُمانية، كما يتعلم قوانين الإقامة والعمل. والمواطن قبل المقيم مطالب بأن يحترم النظام؛ فالشارع لا يسأل عن جواز السفر عندما تقع المخالفة.
ومن هنا، أعتقد أن الوقت مناسب لإعادة النظر في فلسفة منح رخص القيادة للوافدين.
ليس بمنطق المنع، وإنما بمنطق التنظيم.
يمكن أن تكون هناك معايير أكثر دقة ترتبط بالحاجة الفعلية إلى المركبة، وطبيعة العمل، ومكان السكن، وتوافر النقل العام، والحالة الأسرية، مع عدم تحويل الرخصة إلى حق تلقائي لا علاقة له بالاحتياج.
لكن الرخصة ليست وحدها التي تحتاج إلى إعادة نظر؛ فهناك سؤال آخر أكثر أهمية: كم مركبة خاصة نضيف إلى شوارع المدينة كل عام؟. ومن يملك هذه المركبات؟. وكم تبقى في البلاد؟. وكيف تستخدم؟.
وهنا يمكن أن نطرح فكرة تستحق الدراسة، لا بوصفها قراراً جاهزاً، وإنما كأداة من أدوات التخطيط المروري: إضافة ترميز إداري أو بصري للمركبات الخاصة يتيح للجهات المختصة التمييز بين المركبة الخاصة المسجلة باسم مواطن والمركبة الخاصة المسجلة باسم مقيم.
وللتوضيح، فإن اللوحات العُمانية تميز أصلاً بين المركبات بحسب نوع التسجيل والاستخدام؛ فهناك لوحات للمركبات الخاصة والتجارية والأجرة وغيرها. والمقصود هنا ليس تغيير هذا النظام، وإنما دراسة إضافة معلومة أخرى إلى منظومة تسجيل المركبات الخاصة، تتعلق بصفة مالك المركبة.
وقد شهدنا هذا العام، في موسم خريف صلالة، تجربة لافتة تمثلت في لوحات «خريف صلالة». وبغض النظر عن طبيعة هذه التجربة وأهدافها التفصيلية، فإنها تقدم لنا درسًا مهماً: أن اللوحة يمكن أن تكون أداة تنظيمية تتجاوز مجرد رقم المركبة، وأن تمييز المركبات في ظروف معينة يمكن أن يخدم إدارة الحركة والرقابة.
ومن هنا يمكن أن نسأل: لماذا لا ندرس الاستفادة من هذه الفكرة، بعد تقييم نتائجها ميدانياً، في ملف المركبات الخاصة المملوكة للمقيمين؟
ليس المقصود أن نضع على السيارة علامة اجتماعية تقول للناس: هذا مواطن وهذا وافد، فذلك ليس هدفًا ولا ينبغي أن يكون. وإنما أن تكون هناك هوية تنظيمية للمركبة تمكّن الجهات المختصة من معرفة وضعها القانوني والزمني وربطها ببيانات المالك والرخصة والإقامة.
وقد يكون هذا التمييز مرتبطاً بمدة الإقامة النظامية للمقيم أو بمدة ملكيته للمركبة، وفق ضوابط تضعها الجهات المختصة؛ بحيث تستطيع الدولة معرفة المركبات المرتبطة بإقامات مؤقتة أو طويلة الأمد، والمركبات التي دخلت منظومة الملكية حديثًا، وتلك التي انتقلت ملكيتها أو انتهت صلتها بمالكها.
وهنا لا تصبح اللوحة أداة تمييز بين الناس، وإنما أداة لإدارة دورة حياة المركبة.
متى دخلت إلى النظام؟. من يملكها؟. ما وضع مالكها؟، وما المدة التي يفترض أن تبقى خلالها ضمن المنظومة؟.
وفي عصر الرقابة الذكية والكاميرات وقواعد البيانات، تصبح هذه المعلومات ذات قيمة كبيرة في التخطيط.
فكيف يمكن أن نخطط للنقل العام ونحن لا نملك صورة دقيقة عن حجم الطلب على السيارة الخاصة؟.
وكيف نقرر في شأن الرخص إذا كنا لا نعرف أثر كل فئة من فئات المستخدمين على شبكة الطرق؟.
وكيف نحدد احتياجات المواقف إذا كانت المركبات تتزايد بينما تظل البيانات مجزأة؟.
إن أي ترميز من هذا النوع يجب أن يكون إداريًا وتقنيًا في المقام الأول، لا تمييزاً اجتماعياً. فالغاية ليست التفريق بين الناس، وإنما مساعدة الدولة على فهم حركة المركبات وإدارة موارد المدينة بكفاءة أكبر.
وهذا هو الفارق بين الإدارة التقليدية والإدارة الذكية: الأولى تسأل بعد أن تقع المشكلة، والثانية تجمع المعلومة قبل أن تقع.
إننا لا نستطيع أن نمنح الرخص، ثم ننتظر الشوارع لتخبرنا بالنتيجة.
ولا نستطيع أن نسمح بتزايد المركبات، ثم نكتشف بعد سنوات أننا بحاجة إلى مضاعفة الطرق والمواقف.
نحتاج إلى أن نعرف قبل أن نقرر.
أما الشاحنات، فهذه قصة أخرى لا يجوز أن تبقى معلقة.
لا يعقل أن نطلب من مدينة أن تكون حديثة، ثم نسمح للشاحنات بأن تختار أماكن توقفها في الأحياء والطرق وفق اجتهاد السائق. الشاحنات تحتاج إلى مواقف مخصصة ومراقبة ومسارات وأوقات دخول وخروج واضحة؛ لأن تنظيمها جزء من الأمن المروري وليس مجرد شأن خدمي.
والأمر نفسه ينطبق على ثقافة القيادة.
فالمقيم الذي يأتي من بيئة مرورية مختلفة يجب ألا يفترض أن ما اعتاده في بلده يمكن أن يستمر في عُمان. لكل دولة قانونها وثقافتها المرورية. ومن واجب الجهات المعنية أن تجعل الحصول على الرخصة فرصة لتعليم هذه الثقافة، لا مجرد اختبار للقدرة على تشغيل المركبة.
لكن علينا في الوقت نفسه ألا نقع في خطأ التعميم.
فالوافد ليس كتلة واحدة، كما أن المواطن ليس كتلة واحدة. هناك سائق ملتزم هنا وهناك، وهناك مخالف هنا وهناك. ولذلك يجب أن يكون معيار التعامل هو السلوك والحاجة والالتزام، لا الجنسية وحدها.
ثم نصل إلى الحلقة التي لا يمكن تجاوزها: النقل العام.
لا يمكن أن نقول للمقيم: لا تستخدم سيارتك، ثم لا نقدم له وسيلة نقل تصل إلى مكان عمله في الوقت المناسب.
ولا يمكن أن نطلب من المواطن أن يترك سيارته إذا كان النقل العام لا يوفر له السرعة والراحة والمرونة التي يحتاجها.
الإنسان لا يترك سيارته بالأوامر.
يتركها عندما يجد البديل الأفضل.
ولهذا فإن التجارب الناجحة في المدن الكبرى لم تبنَ على منع السيارات فقط، وإنما على منظومة متكاملة: نقل عام فعال، مواقف منظمة، إدارة ذكية للطرق، رقابة إلكترونية، وحوافز وقيود عند الحاجة، وتخطيط عمراني يقلل المسافة بين السكن والعمل والخدمات.
وهذا ما يمكن لعُمان أن تستفيد منه، ولكن بما يناسب طبيعتها وتركيبتها السكانية والجغرافية.
وفي النهاية، فإن قضية الرخص ليست قضية وافد ومواطن.
إنها قضية مدينة وثقافة ونظام.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من سؤال: «من نعطيه الرخصة؟» إلى سؤال أكبر:
كيف ندير حق الناس في الحركة دون أن تتحول الحركة إلى فوضى؟. والإجابة تبدأ من منظومة متكاملة: رخص أكثر تنظيماً، رقابة أكثر حضورًا، عقوبات أكثر ردعًا، نقل عام أكثر كفاءة، مواقف أكثر تنظيمًا، شاحنات لها أماكنها وأوقاتها، وثقافة مرورية تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند مكتب استخراج الرخصة.
وقد تكون تجربة «خريف صلالة» قد أعطتنا، إلى جانب بعدها الموسمي، فكرة تستحق أن ندرسها ونقيس نتائجها ثم نبني عليها: أن المركبة يمكن أن تحمل في هويتها التنظيمية معلومات تساعد الدولة على إدارة المدينة، دون أن يتحول ذلك إلى تمييز اجتماعي بين مواطن ومقيم.
فمسقط لا تحتاج إلى أن تحارب السيارة.
ولا تحتاج إلى أن تفتح لها أبواب المدينة بلا حساب.
تحتاج فقط إلى أن تعرف المكان الصحيح للسيارة في مدينة المستقبل.
فالمدينة الذكية ليست التي تبني شارعاً أعرض كلما ازدحم الطريق، وإنما التي تعرف لماذا ازدحم الطريق أصلاً.
وربما آن لنا أن ندرك أن رخصة القيادة ليست مجرد قطعة بلاستيكية في جيب السائق؛ إنها قرار صغير قد يصنع، في مجموع القرارات، شكل المدينة كلها.
فالمدينة التي تريد أن تتحرك بسهولة غداً، عليها أن تبدأ بتنظيم الحركة اليوم.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة