مقال | حين تصبح عُمان جسراً للحضارة

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست الحضارات حجارةً صامتةً في متحف، ولا تواريخَ محفوظةً في الكتب، ولا أسماءَ ملوكٍ تتعاقب على صفحات الزمن. الحضارة، في جوهرها، هي قدرة الإنسان على أن يجعل من المكان ذاكرة، ومن الذاكرة معنى، ومن المعنى جسرًا يصل حاضر الناس بماضيهم، وحاضرهم بالآخر.

ومن هنا تبدو استضافة سلطنة عُمان لبرنامج “جسور الحضارة” التابع لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» في ظفار، أكثر من مناسبة ثقافية عابرة. إنها لحظة تليق بعُمان؛ لأن البلاد التي كانت سفنها تمضي في البحار حاملة اللبان والتجارة والأفكار، تستقبل اليوم ضيوف الحضارة على أرضٍ كانت، منذ أقدم الأزمنة، تعرف أن الطريق بين الشعوب لا يُشق بالسيوف، وإنما تُمهّده المعرفة.

ولعل اختيار ظفار يحمل في ذاته شيئاً من بلاغة المكان.

فهنا، في أقصى الجنوب العُماني، حيث تلتقي الجبال بالخضرة، والبحر بالتاريخ، والإنسان بذاكرة الأرض، لا تبدو الحضارة شيئاً مستورداً من الكتب. إنها حاضرة في رائحة اللبان، وفي آثار القوافل، وفي الموانئ التي عرفت طرق التجارة القديمة، وفي ذاكرة إنسان عاش قرونًا وهو يرى العالم يمر من أمامه ولا يغلق بابه في وجه أحد.

إن “جسور الحضارة” حين تحط رحالها في ظفار، إنما تلتقي بمكان يعرف معنى الجسر قبل أن يعرف اسمه.

وعُمان، في تجربتها التاريخية، لم تكن دولةً تعيش على هامش العالم، بل كانت دائمًا دولةً تنظر إلى العالم من موقع العارف بأن البحر لا يفصل الحضارات، وإنما يصل بينها. ولذلك لم يكن غريبًا أن تكون عُمان من أوائل البيئات التي فهمت أن الانفتاح على الآخر لا يعني ذوبان الهوية، وأن الاعتزاز بالخصوصية لا يعني الانغلاق.

وهنا تكمن قيمة هذه الاستضافة.

ففي زمنٍ يزداد فيه العالم ضجيجًا، وتضيق فيه المسافات بين الناس بينما تتسع المسافات في النفوس، تصبح الثقافة نوعًا من الدبلوماسية الهادئة. وحين تعجز السياسة أحيانًا عن أن تقول ما ينبغي قوله، تستطيع الثقافة أن تفتح نافذة لا تحتاج إلى بيانات ولا مؤتمرات.

الثقافة لا تصرخ.

إنها تهمس.. لكن همسها قد يصل أبعد من الصراخ.

ولذلك فإن استضافة الإيسيسكو في ظفار تحمل رسالة تتجاوز حدود السياحة والتراث إلى ما يمكن تسميته الدبلوماسية الحضارية؛ أي أن تقدم عُمان نفسها للعالم لا بما تملك من جغرافيا وثروة وموقع فحسب، بل بما تختزنه من تجربة إنسانية قادرة على أن تكون محل حوار وتبادل وإلهام.

إن العالم اليوم لا يبحث فقط عن الدول التي تملك القوة، وإنما عن الدول التي تستطيع أن تمنح القوة معنى.

وعُمان، بما راكمته من تاريخ في التواصل والتسامح والحوار، تملك مادةً غنية لهذه القوة الناعمة.

إنها لا تقول للعالم: انظروا إلينا.

بل تقول، بطريقة أكثر هدوءًا: تعالوا وانظروا معنا.

وهذه، في ظني، إحدى أجمل وظائف الثقافة.

فأن تجعل الآخر يرى المكان بعينيك، ثم يخرج منه وهو يرى نفسه والعالم بصورة مختلفة.

ولذلك فإن ظفار في هذه المناسبة ليست مجرد مسرح للحدث؛ إنها جزء من الرسالة نفسها. إنها تقول إن الحضارة لا تُختصر في المدن الكبرى، وإن الأطراف الجغرافية قد تكون، في لحظة ما، قلباً نابضاً للتاريخ.

من أرض اللبان، الذي حملته الرياح قديماً إلى معابد العالم، يمكن أن تنطلق اليوم رائحة أخرى: رائحة المعرفة.

وإذا كان اللبان قديمًا يقطع البحر ليصل إلى الحضارات، فإن “جسور الحضارة” اليوم تستعيد المعنى ذاته ولكن بأدوات العصر: لقاءات، معرفة، تراث، شراكات، ومشروعات ثقافية وإنسانية.

وهكذا تلتقي عُمان مع الإيسيسكو في فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أن أفضل الجسور هي تلك التي لا تُرى، وإنما تُبنى في العقول.

ولعل أجمل ما في التجربة العُمانية أنها لا تحتاج إلى أن تتحدث كثيراً عن تاريخها؛ فالتاريخ نفسه يتحدث عنها.

يكفي أن تقف في ظفار، وأن تنظر إلى البحر، وأن تتخيل السفن القديمة وهي تحمل اللبان إلى جهات العالم، لتدرك أن المكان الذي كان يومًا نقطة انطلاق للتجارة، يستطيع اليوم أن يكون نقطة انطلاق للحوار الحضاري.

وهنا يصبح “جسر الحضارة” أكثر من اسم لبرنامج.

إنه صورة لعُمان نفسها.

عُمان التي لم تكن يوماً جسراً لأن الآخرين أرادوها كذلك، وإنما لأنها اختارت، عبر تاريخها، أن تكون أرض عبور لا أرض صدام، ومكان لقاء لا ساحة خصومة.

وفي عالمٍ تتكاثر فيه الجدران، تزداد قيمة الجسور.

وإذا كان بعض العالم يبني جدرانه خوفًا من الآخر، فإن عُمان تستقبل الآخر لتقول له: ليس كل اختلافٍ خصومة، وليس كل حدودٍ فاصلة، وليس كل طريقٍ يؤدي إلى صراع.

فثمة طريق آخر..

طريق اسمه الحضارة.

وما أجمل أن يبدأ هذا الطريق من ظفار، حيث كانت رائحة اللبان قديمًا تحملها الرياح إلى العالم، وحيث تستطيع الثقافة اليوم أن تحمل رسالة عُمان إلى العالم بالطريقة التي تشبهها: هادئة، عميقة، واثقة، ولا تحتاج إلى كثير من الكلام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*