محمود النشيط |
إعلامي بحريني متخصص في الإعلام السياحي
لم تعد السياحة الحديثة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، أو زيارة معلم تاريخي والتقاط الصور أمامه؛ فالمسافر الجديد يبحث بصورة متزايدة عن المعنى والتجربة والتفاعل مع الإنسان المحلي.
ومن هنا برزت السياحة الثقافية باعتبارها أحد أكثر أنماط السفر قدرة على تحويل الرحلة إلى معرفة، والزيارة إلى درس مفتوح في تاريخ الشعوب وعاداتها وقيمها سواء في الشرق أو الغرب.
وتعرّف منظمة الأمم المتحدة للسياحة السياحة الثقافية “بأنها نمط من السفر يكون الدافع الأساسي فيه هو التعلم والاكتشاف وتجربة واستهلاك عناصر الثقافة المادية وغير المادية للوجهة، بما يشمل الفنون والعمارة والتراث والمطبخ والموسيقى والحرف والتقاليد وأنماط الحياة”.
إن السائح يتعلم من المكان وأهله، ففي الأسواق الشعبية نتعلم كيف تحولت الحرفة إلى ذاكرة اقتصادية واجتماعية، وفي المهرجانات نكتشف طقوساً توارثتها الأجيال، وعلى موائد الطعام نتعرف إلى تاريخ الشعوب وهجراتها وبيئتها. وحتى التفاصيل الصغيرة، مثل طريقة التحية أو الضيافة أو اللباس، يمكن أن تكون نافذة لفهم مجتمع بأكمله.
وتشير بيانات اليونسكو إلى أن نحو أربعة من كل عشرة سياح يختارون وجهاتهم استناداً إلى عرضها الثقافي، فيما سبق أن قدرت المنظمة مساهمة السياحة الثقافية بنحو 40% من إيرادات السياحة العالمية. وهي أرقام تكشف أن الثقافة لم تعد عنصراً ثانوياً في المنتج السياحي، بل أصبحت محركاً مهماً للطلب السياحي.
ومن مشاهدة التراث إلى عيش التجربة القيمة الحقيقية للسياحة الثقافية تظهر عندما ينتقل الزائر من دور المتفرج إلى دور المشارك. فتعلم صناعة فخار من حرفي محلي، أو إعداد طبق تقليدي، أو حضور احتفال شعبي، أو الاستماع إلى رواية شفوية من أحد أبناء المكان، يمنح الرحلة بعداً لا توفره الزيارة التقليدية للمعالم.
وهنا تكمن إحدى أهم دروس السياحة: كل شعب يمتلك طريقة خاصة في تفسير الحياة. اختلاف العادات لا يعني اختلاف القيم الإنسانية الأساسية، بل يكشف تنوع الطرق التي عبّر بها الإنسان عن الأسرة والانتماء والكرم والعمل والاحتفال والارتباط بالأرض.
لقد أثبتت السياحة إنها تحافظ ولا تستهلك، لكن الانفتاح على ثقافات الشعوب يحتاج إلى وعي واحترام. فالسياحة غير المنظمة قد تضغط على المجتمعات المحلية، وتحوّل بعض التقاليد إلى عروض تجارية تفقد معناها الأصلي. لذلك تؤكد منظمة الأمم المتحدة للسياحة أهمية إشراك المجتمعات المحلية في إدارة السياحة الثقافية، بحيث تكون الثقافة مصدراً للفخر والدخل والحفاظ على الهوية، وليس مجرد منتج للاستهلاك السياحي.
ومن أجمل اتجاهات السياحة المعاصرة أن تتحول القرى والمجتمعات المحلية إلى حاضنات للتراث الحي؛ حيث يشارك السكان في تقديم الحرف والمأكولات والموسيقى والقصص والتقاليد للزائر، مع الحفاظ على أصالتها. وقد سلطت منظمة الأمم المتحدة للسياحة الضوء في 2025 على تجارب لقرى في اليابان والبرتغال وموريشيوس نجحت في الموازنة بين استقبال الزوار وحماية التراث المحلي.
في النهاية الرحلة التي نعود منها مختلفين، قد ينسى المسافر أسماء بعض الشوارع والفنادق التي زارها، لكنه غالباً يتذكر وجهاً محلياً ابتسم له، وطبقاً جديداً تذوقه، وحكاية سمعها، وعادة اكتشف معناها لأول مرة، وهنا تتحول السياحة من استهلاك للمكان إلى حوار مع الإنسان، ومن التقاط الصور إلى اكتساب المعرفة. فالسفر بين الثقافات ليس فقط اكتشافاً للعالم، بل اكتشاف لذواتنا أيضاً. وإن أعظم درس سياحي تقدمه لنا ثقافات الشعوب هو أن العالم، رغم اختلاف لغاته وعاداته وألوانه، أكثر اتساعاً وجمالاً عندما نراه بعيون أهله.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة