مقال | حين يصبح انتباهنا مسؤولية اجتماعية

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست المشكلة في أن يكون للناس مشاهير، ولا في أن يجد الإنسان في بعض ما يشاهده فسحة للترفيه والابتعاد قليلاً عن ثقل الحياة. فالمجتمعات، منذ أن عرفت الاجتماع الإنساني، عرفت أيضاً الحاجة إلى الحكاية والفرجة والضحك. وإنما تبدأ المشكلة حين يتحول الانتباه نفسه إلى سلعة، وتصبح التفاهة أكثر قدرة على بيع نفسها من المعرفة، ويغدو عدد المشاهدات معياراً لقيمة ما يُشاهد.

من هنا تبدو مبادرة “لا متابعة بلا قيمة” أكثر من مجرد دعوة إلى عدم متابعة بعض المحتويات. إنها تضع إصبعها على مسألة اجتماعية عميقة: من الذي يصنع الشهرة؟.

نحن نميل إلى الاعتقاد بأن المشهور يصنع نفسه بنفسه، وأن الملايين التي تلاحقه هي نتيجة طبيعية لما يقدمه. لكن الحقيقة الاجتماعية أكثر تعقيدًا؛ فكل مشاهدة تمنح حياة لمحتوى، وكل مشاركة توسّع مجاله، وكل تعليق ــ حتى الغاضب ــ قد يرفع منسوب ظهوره. نحن، من حيث نشعر أو لا نشعر، نشارك في صناعة ما يملأ فضاءنا العام.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا ينتج بعض الناس محتوى تافهاً؟. بل: لماذا نمنحه نحن القدرة على الانتشار؟.

إن المجتمع لا يربي أبناءه بالكلمات التي يقولها لهم فقط، وإنما يربيهم أيضاً بما يراه جديراً بالاهتمام. والطفل الذي يرى المعرفة بلا جمهور، والابتذال بملايين المشاهدات، يتعلم درساً صامتاً قد يكون أشد تأثيراً من آلاف النصائح: أن الشهرة أهم من القيمة، وأن الوصول أهم من المعنى، وأن الضجيج طريق أسرع إلى الاعتراف الاجتماعي.

وهنا تكمن مسؤوليتنا.

لسنا مطالبين بأن نحول العالم إلى قاعة محاضرات، ولا أن نطرد الترفيه من حياتنا، ولا أن نضع أنفسنا أوصياء على أذواق الآخرين. الإنسان يحتاج إلى الضحك كما يحتاج إلى المعرفة، ويحتاج إلى الترفيه كما يحتاج إلى التأمل. لكن الفرق كبير بين ترفيه يخفف عن الإنسان ثقل الحياة، وترفيه يجعل من الفراغ نموذجًا للحياة.

إن القضية إذن ليست حربًا على المشاهير، وإنما دعوة إلى إعادة النظر في معنى الشهرة ذاتها.

لماذا لا نسأل المؤثر: كم شخصاً تتابعك؟. ثم نسأله السؤال الأهم: ماذا تركت في هؤلاء الذين يتابعونك؟.

فقد يكون الإنسان صاحب ملايين المتابعين، لكنه لا يترك وراءه إلا دقائق مستهلكة. وقد يكون آخر لا يعرفه إلا بضعة آلاف، لكنه يغيّر حياة طالب، أو يعلم مهارة، أو يفتح نافذة معرفة، أو يزرع قيمة، أو يمنح إنساناً من ذوي الإعاقة مساحة يشعر فيها بأنه مرئي ومسموع ومحترم.

وهنا ينبغي أن يتغير ميزاننا الاجتماعي.

ليس كل ما ينتشر يستحق أن ينتشر، وليس كل ما يجمع الملايين يملك قيمة تساوي الملايين. فالعدد يقيس حجم الوصول، لكنه لا يقيس عمق الأثر.

وربما آن لنا أن نفهم أن المتابعة ليست فعلاً بريئاً تماماً كما نتصور. إنها في عالم المنصات الرقمية نوع من التصويت اليومي. حين أتابع، أقول للخوارزمية: أعطني المزيد من هذا. وحين أشارك، أقول لها: ادفع بهذا المحتوى إلى آخرين. وحين أتوقف عن التفاعل، فإنني أسحب منه جزءًا من القوة التي كنت أمنحه إياها.

بهذا المعنى، أصبح انتباه الإنسان موقفاً اجتماعياً.

نحن لا نملك دائمًا أن نقرر ما يظهر أمامنا، لكننا نملك إلى حد بعيد أن نقرر ما نمنحه وقتنا، وما نعيد نشره، ومن نساعده على أن يصبح أكثر تأثيراً.

وهذه هي الفكرة الأجمل في “لا متابعة بلا قيمة”: أنها لا تطلب من الجمهور أن يكره أحداً، بل أن يختار.

لا تقل: هذا مشهور ولذلك أتابعه؛ بل قل: هذا يستحق المتابعة ولذلك سيصبح مشهوراً.

لا تحارب الضجيج بالصراخ عليه؛ اتركه بلا جمهور.

ولا تكتفِ بإغلاق الباب في وجه التفاهة؛ افتح نافذة للمعرفة.

فالمجتمع الذي يريد أن يغيّر ما يظهر على شاشاته، عليه أن يبدأ بتغيير ما يكافئه بانتباهه.

ولعل الرسالة الأعمق التي ينبغي أن تصل إلى أبنائنا ليست: لا تشاهدوا هذا، وإنما: تعلموا أن وقتكم ثمين، وأن انتباهكم رأس مال، فلا تمنحوه إلا لما يستحقه.

إننا في النهاية لا نصنع المشاهير فقط بما ينتجونه، وإنما نصنعهم بما نمنحه لهم من وقت واهتمام وانتشار.

ولهذا، ربما لم يعد السؤال في زمن المنصات:

من يستحق أن يكون مشهوراً؟.

بل أصبح السؤال الأكثر مسؤولية:

من نريد نحن أن نصنع منه مشهوراً؟.

ففي الإجابة عن هذا السؤال شيء من صورة مجتمعنا، وشيء أكبر من مستقبل أبنائنا.

لا متابعة بلا قيمة؛ لأن الانتباه ليس مجرد مشاهدة.. إنه مشاركة في صناعة المجتمع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*