مقال | حين تنكسر الرجولة.. وتضطرب الأسرة

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليس أخطر ما يحدث في الأسرة أن يختلف الرجل والمرأة، فالاختلاف طبيعة بشرية، ولا بيت يخلو من لحظة غضب أو سوء فهم. الأخطر أن يتحول الاختلاف من عارض عابر إلى طريقة في العيش؛ يصبح الصمت عقابًا، والكلمة سلاحاً، والعتاب محاكمة، والبيت مكانًا لتصفية الحساب بدل أن يكون مأمنًا من تعب الحياة.

ولعلنا نحتاج، قبل أن نسأل: لماذا كثرت حالات الطلاق؟ أن نسأل سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا حدث للرجل والمرأة داخل الأسرة حتى أصبحا عاجزين عن احتمال بعضهما؟.

هناك، في تقديري، كسرٌ ما أصاب مفهوم الرجولة، كما أصاب مفهوم الأنوثة. وليس المقصود رجولة السيطرة أو القسوة أو احتكار القرار، ولا أنوثة الخضوع والصمت. تلك صور قديمة لا تصلح لبناء بيت سليم. المقصود أن الرجل فقد في كثير من الأحيان شيئًا من شعوره بدوره ومسؤوليته، والمرأة فقدت في أحيان أخرى شعورها بالأمان والثقة بأن وراءها شريكاً يمكن الاتكاء عليه. وبين رجل يشعر أنه لم يعد مقدراً، وامرأة تشعر أنها لم تعد مصانة عاطفيًا، يبدأ الشرخ صغيراً ثم يكبر.

الرجل لا يحتاج إلى امرأة تهينه لكي تثبت استقلالها، كما أن المرأة لا تحتاج إلى رجل يكسرها لكي يثبت رجولته. الكرامة لا تحتاج إلى خصومة، والاستقلال لا يعني القطيعة، والقوامة ليست تسلطًا، والشراكة ليست إلغاءً للرجل.

وليس من الإنصاف أن نضع كل أسباب الانهيار الأسري على عاتق المرأة، كما ليس من الحكمة أن نجعل الرجل متهمًا دائمًا. فالأسرة حين تتعب، فإنها غالباً تتعب من الطرفين.

الرجل الذي يعود إلى بيته بجسد حاضر وروح غائبة، منشغلاً بهاتفه أو عمله أو أصدقائه، ثم يتساءل لماذا تغيرت زوجته، لم يسأل نفسه ماذا أعطاها من حضور. والمرأة التي تحول كل اختلاف إلى مقارنة بزوج صديقة أو حياة الآخرين، ثم تتساءل لماذا أصبح زوجها صامتاً، ربما لم تسأل نفسها كم مرة جعلت الحوار معه امتحانًا جديداً للفشل.

وهناك آفة أخرى لا تقل خطراً: انتقال الحياة الزوجية من الخصوصية إلى الجمهور. مشكلة بين زوجين تصبح مادة للأم والأخت والصديقة ومواقع التواصل. كلمة قيلت في لحظة غضب تتحول إلى ملف، والخلاف الذي كان يمكن أن ينتهي باعتذار يصبح قضية عائلية يصعب على صاحبيه التراجع عنها. وحين يدخل الآخرون كثيرًا إلى غرفة الزوجين، قد يخرج منها صاحب البيت وصاحبته دون أن يشعروا.

ثم جاءت المقارنات لتزيد النار حطبًا. ترى المرأة بيتاً مصوراً على مواقع التواصل فتظن أن الآخرين يعيشون الحب كاملًا، ويرى الرجل رجلًا آخر فيظن أن زوجته أقل امتناناً من زوجته. كلاهما يقارن حياته الحقيقية بصورة منتقاة من حياة الآخرين، فيكره ما عنده لأنه لا يشبه ما يراه.

والحقيقة أن الزواج ليس صورة جميلة طوال الوقت. إنه تعب، ومسؤوليات، وأيام ثقيلة، ومرض، وضيق مالي، وأطفال لا ينامون، ومزاج يتغير، وأحلام تتأخر. لكنه أيضًا سكينة يصنعها اثنان، لا خدمة يقدمها أحدهما للآخر.

لقد بالغنا أحياناً في تعليم أبنائنا كيف يختارون شريك الحياة، ولم نعلمهم بما يكفي كيف يعيشون معه. علمناهم أن يبحثوا عن الحب، ولم نعلمهم أن الحب بعد الزواج يصبح مسؤولية. وأن أجمل ما في الزوج ليس أنه لا يخطئ، بل أنه يعرف كيف يعتذر. وأجمل ما في الزوجة ليس أنها لا تغضب، بل أنها تعرف متى تهدأ، ومتى تحفظ لزوجها كرامته، ومتى تفتح باب الكلام بدل أن تغلق أبواب البيت كلها.

إن البيت لا يسقط عادةً بضربة واحدة؛ يسقط من تراكم الأشياء الصغيرة: كلمة جارحة لم يُعتذر عنها، نظرة احتقار، إهمال متكرر، سر لم يُكشف، تدخل من الأهل، مال لم يُحسن تدبيره، غيرة لم تُفهم، أو حوار تأجل حتى صار مستحيلاً.

ولذلك، فإن إنقاذ الأسرة لا يبدأ دائمًا من قاعات المحاكم، بل من إعادة بناء ثقافة العلاقة نفسها. أن يتعلم الرجل أن القوة ليست في رفع صوته، وأن يتعلم أن يكون حازماً دون أن يكون قاسياً، حاضراً دون أن يكون متسلطاً، مسؤولاً دون أن يمنّ بما يفعل.

وأن تتعلم المرأة أن قوتها لا تحتاج إلى تحقير الرجل، وأن التعبير عن احتياجاتها ليس ضعفاً، وأن طلب الاحترام لا يستلزم الانتقام، وأن الاحتفاظ بمساحة من الود حتى أثناء الخلاف قد يكون أحياناً أكثر حكمة من الانتصار في النقاش.

فالزوجان ليسا خصمين في مباراة، وليس مطلوباً من أحدهما أن ينتصر على الآخر. إذا انتصر أحدهما على شريكه، فقد يخسر الاثنان البيت.

نحن بحاجة إلى رجولة جديدة لا تستمد قوتها من السيطرة، وإلى أنوثة جديدة لا تستمد قوتها من المنازعة؛ رجولة فيها مسؤولية ورحمة، وأنوثة فيها كرامة واحتواء، وبينهما شراكة يعرف فيها كل طرف أن الآخر ليس عدواً ينازعه مكانه، بل إنساناً جاء ليكمل معه الطريق.

وفي النهاية، ربما لا تحتاج الأسرة إلى مزيد من القوانين بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الحكمة؛ لأن القانون يستطيع أن ينظم الانفصال، لكنه لا يستطيع أن يعيد إلى قلبين فقدا القدرة على الإصغاء.

فالبيت لا يحميه أن يكون الرجل أقوى من المرأة، ولا أن تكون المرأة أقوى من الرجل؛ يحميه أن يشعر كلاهما أن قوتهما حين تجتمعان أرحم من قوة كل واحد منهما منفرداً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*