مقال | هرمز بين تفحّش القوة وحكمة الجغرافيا

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في الأمثال العُمانية حكمةٌ تشبه أهلها: قليلة الكلام، بعيدة الغور. ومن أبلغها قولهم: “الأفعى بو تفح ما تلدغ”. وهي لا تسخر من الأفعى، ولا تنكر خطرها، وإنما تضع بين يديك ميزاناً دقيقاً: ليس كل صوتٍ قوة، ولا كل تهديدٍ فعلًا، ولا كل من أظهر أنيابه استطاع أن يعضّ.

ولعل هذا المثل يجد اليوم مكانه الطبيعي في مضيق هرمز، حيث تتعالى الأصوات، وتتضخم العبارات، حتى يكاد المضيق أن يصبح في الخطاب السياسي ملكاً لمن يصرخ باسمه أكثر.

منذ اندلاع الأزمة، جعل دونالد ترامب من هرمز عنواناً لقوة الولايات المتحدة في مواجهة إيران. تحدّث عن فتحه بالقوة، وعن الحصار البحري، وعن حماية الملاحة، ثم ارتفع الخطاب إلى إعلان السيطرة الكاملة عليه، وصولًا إلى حديث أكثر غرابة عن إمكان الاحتفاظ به، بل والتعامل معه كأرض تابعة للولايات المتحدة.

وهنا ينبغي أن يتوقف العقل قليلاً أمام صخب السياسة.

فالولايات المتحدة دولة عظمى، وقوتها البحرية والجوية حقيقة لا تحتاج إلى مبالغة. وهي قادرة على ضرب أهداف، وحماية سفن، وفرض أثمان قاسية. لكن القوة على الماء ليست ملكية للماء، والسيطرة العسكرية ليست سيادة على الجغرافيا.

هرمز ليس قطعة بحرية سائبة؛ إنه ممر استراتيجي تحكمه جغرافيا معقدة، وتحيط به إيران وعُمان، وتتقاطع عنده مصالح الخليج والعالم. ومن ثم فإن من يظن أن المضيق يمكن أن يصبح ملكاً لدولة بمجرد إعلان سياسي، يخلط بين لغة القوة ولغة التاريخ.

والأهم أن السيطرة الحقيقية لا تحتاج إلى أن تُعلن كل صباح. القوة الراسخة تُرى في الواقع، أما القوة القلقة فتكثر من الكلام عنها.

وليس في ذلك انتقاص من واشنطن، ولا إنكار لقدرة طهران على التأثير في الملاحة. فلكل طرف أدواته وأوراقه، لكن المعضلة أن هرمز لا يحتمل منطق الغلبة المطلقة. كلما حاول طرف أن يحوله إلى ملكية خاصة، أصبح المضيق نفسه أكثر عرضة لأن يتحول من شريان للعالم إلى خنجر في خاصرته.

وهنا تبدو الحكمة العُمانية أكثر نضجاً من ضجيج السلاح. فعُمان لا تحتاج أن تكون لها «اليد العليا» في هرمز، كما لا ينبغي أن تكون اليد العليا لغيرها؛ لأن مصلحتها أن يبقى المضيق مفتوحًا، آمناً، ومستقراً، لا أن يتحول إلى ميدان لتبادل الادعاءات.

فالمضائق لا تُدار بالصراخ، وإنما بالتوازن.

وفي السياسة، كما في الحياة، لا يكون الحكيم هو من يصدق التفحّش، ولا من يستخف به؛ بل من يعرف متى يكون التفحّش مقدمةً للّسع، ومتى يكون مجرد ظلٍّ لصوتٍ عالٍ.

لذلك يبقى المثل العُماني صالحًا لكل زمان:

“الأفعى بو تفح ما تلدغ”.

لكن الحكيم لا يقترب منها ليختبر صدق المثل.

إنه يراقبها من بعيد، ويقرأ حركتها، ويعرف أن أخطر ما في الأفعى ليس صوتها، بل ما تستطيع فعله حين تصمت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*