مقال | أين العرب حين تُهدَّد عُمان؟

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليس السؤال في جوهره: لماذا هُدِّدت عُمان؟. 

فذلك سؤال يمكن أن تجيب عنه حسابات السياسة ومصالح القوى الكبرى وتوترات اللحظة. وإنما السؤال الأعمق، والأكثر إيلاماً: أين العرب حين تُهدَّد دولة عربية؟

إن عُمان، في تاريخها السياسي الحديث، لم تجعل من الصخب وسيلةً لإثبات الحضور، ولا من الخصومة طريقًا إلى النفوذ. اختارت الهدوء، وفتحت الأبواب التي أغلقتها الأزمات، ومارست الدبلوماسية بوصفها جسرًا حين كان الآخرون يرون في الجسور ضعفًا. وحين تتولى مسقط دور الوسيط، فإنها لا تفعل ذلك نيابةً عن أحد، وإنما تمارس حق دولة ذات سيادة في أن تختار طريق الحوار بدل طريق المواجهة.

ومن هنا فإن أي تهديد لها بسبب موقف تفاوضي أو دبلوماسي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره شأناً عُمانياً محضاً؛ لأن المسألة، في جوهرها، تتصل بمبدأ أكبر: هل ما زالت سيادة الدول العربية مبدأً يستحق أن تتضامن من أجله الدول العربية؟.

وهنا يعود السؤال: أين العرب؟.

ليس المطلوب أن تعلن الدول العربية الحرب على أحد، ولا أن تدخل في مواجهة مع قوة كبرى، ولا أن تتجاوز حساباتها ومصالحها. المطلوب فقط أن تقول، بوضوح يليق بالدولة والسيادة: إن الخلاف السياسي لا يبرر تهديد دولة عربية بالقوة.

تلك ليست بطولة خطابية، ولا مغامرة سياسية؛ بل هي الحد الأدنى من التضامن الذي يفترض أن تقوم عليه فكرة الأمن العربي.

والمفارقة أن العالم العربي يملك من البيانات والمؤسسات والقمم والمواثيق ما يكفي لقول هذه الجملة، لكنه كثيرًا ما يعجز عن قولها في اللحظة التي تحتاج إليها.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالقوة ليست في عدد الطائرات والصواريخ، ولا في حجم الإنفاق العسكري وحده. القوة، قبل ذلك، هي أن تمتلك الدولة إرادة سياسية تحمي مصالحها وتحمي المجال الذي تنتمي إليه. والدبلوماسية نفسها تصبح مصدر قوة حين تعرف الدول كيف تقف إلى جانب بعضها من دون أن تحول التضامن إلى مواجهة.

ولذلك فإن السؤال عن عُمان يتجاوز عُمان.

إنه سؤال عن النظام العربي كله: هل نحن أمام منظومة دول تجمعها اللغة والجغرافيا والتاريخ فقط، أم أمام منظومة تستطيع أن تتحول، عند الضرورة، إلى موقف سياسي يحمي مبدأ السيادة. لقد أثبتت عُمان، في محطات كثيرة، أن بإمكان الدولة الصغيرة جغرافيًا أن تكون كبيرة سياسياً، وأن يكون الهدوء أحيانًا أكثر تأثيراً من الضجيج، وأن يكون فتح نافذة للحوار أكثر شجاعة من إغلاق أبواب الخصومة.

لكن يبقى السؤال المقابل: هل يستطيع العرب أن يحموا هذا النوع من الدبلوماسية بدل أن يتركوه وحيدًا أمام العواصف؟.

إن صمت العرب، إن استمر، لا يُضعف عُمان؛ فعُمان تعرف كيف تمضي في سياستها، وكيف تحافظ على قرارها، وكيف توازن بين علاقاتها ومصالحها. لكنه يكشف خللاً أعمق في منظومة الأمن العربي: أن يصبح التضامن العربي حاضراً في المناسبات، وغائباً عند اختبار السيادة.

ولعل المأساة ليست أن دولة عربية قد تُهدَّد، وإنما أن يصبح تهديدها أمراً يمكن أن يمر في المشهد العربي كخبر عابر.

عندها لا يعود السؤال: أين العرب من عُمان؟.

بل يصبح السؤال الأكثر مرارة:

أين يقف العرب غداً إذا أصبحت دولة عربية أخرى هي التي تُهدَّد؟

فالسيادة لا تتجزأ، والكرامة لا تُقاس بحجم الدولة، والدبلوماسية لا ينبغي أن تكون تهمة تستوجب العقاب. وإذا كان العرب يريدون لأمنهم أن يكون أمناً جماعياً، فعليهم أن يدركوا أن الدفاع عن سيادة عُمان ليس دفاعاً عن عُمان وحدها؛ إنه دفاع عن فكرة الدولة العربية حين تكون في مواجهة القوة، وعن حقها في أن تقول كلمتها دون أن تخشى القصف.

وهنا تحديداً تكمن الإجابة عن سؤال المقال:

العرب لا يُطلب منهم أن يحاربوا من أجل عُمان؛ يُطلب منهم فقط ألا يصمتوا عندما تُهدَّد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*