مقال | القوة التي لا تُطلق رصاصة

د. قاسم بن محمد الصالحي |

مَن قال إن الدولة التي لا تطلق رصاصة لا تمارس القوة؟.

في عالمٍ تُقاس فيه القوة أحيانًا بمدى القدرة على الردع والضغط، جاءت عُمان إلى الأمم المتحدة لتقدم تعريفًا آخر للقوة: أن تمنع الرصاصة قبل أن تُطلق، وأن تُبقي الهاتف مفتوحًا حين تنقطع الخطوط، وأن تبحث عن نقطة التقاء حين يبحث الآخرون عن نقطة اشتباك.

هذه ليست لغةً مثاليةً بعيدة عن حسابات السياسة؛ بل ربما تكون أكثرها واقعية في منطقة دفعت أثمانًا باهظة للحروب. ولذلك لم يكن حديث وزير الخارجية العُماني عن الحوار مجرد تكرار لمفردة مألوفة في القاموس الدبلوماسي، بل تأكيدًا على أن الحوار يمكن أن يكون أداةً لإدارة المصالح والأزمات، وبناء الثقة، ومنع انتقال الخلاف السياسي إلى صراع مفتوح.

ومن نيويورك، بدت الرسالة العُمانية واضحة في هرمز قبل غيره: المضيق ليس ملكًا للأزمة، ولا ينبغي أن يصبح رهينةً لها. فهو ممر تتقاطع عنده مصالح الدول والتجارة العالمية وأمن الطاقة واستقرار الأسعار. ومن هنا جاء التأكيد على صون الملاحة وفق القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ودعوة الأطراف إلى التعاون ومراعاة مصالح جميع المستفيدين من هذا الممر الحيوي.

وهنا تتحول الدبلوماسية من مجرد وساطة بين المختلفين إلى محاولة لحماية المصلحة المشتركة التي تجعل التسوية ممكنة.

وفي اليمن، ظلت الرسالة العُمانية متماسكة: حل سياسي يحفظ الوحدة والاستقرار وسلامة الأراضي وحقوق الشعب اليمني وعلاقاته الآمنة مع الجوار. وفي فلسطين، بقيت المرجعية هي القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وحل الدولتين. أما “خطة مسقط” لمواجهة خطاب الكراهية والفظائع والتحريض عليها، فتفتح بابًا آخر للدبلوماسية: معالجة مقدمات العنف قبل أن يصبح العنف واقعاً يصعب احتواؤه.

وإذا جمعنا هذه الخيوط، تظهر صورة تتجاوز خطابًاً في مناسبة دولية.

عُمان لا تقول للعالم: انظروا إلينا؛ بل تقول له: انظروا إلى ما يمكن أن يفعله الحوار قبل أن تفعل الحرب ما لا يمكن إصلاحه.

ذلك هو جوهر الدبلوماسية العُمانية: مرونة في الأدوات، وثبات في المبادئ، وقدرة على إبقاء الجسور قائمة بين أطراف قد لا يتفقون على شيء سوى حاجتهم إلى ألا ينهار كل شيء.

ولذلك فإن أكثر ما يلفت في خطاب نيويورك ليس ارتفاع النبرة، بل انخفاضها؛ ففي زمنٍ يزداد فيه صخب القوة، اختارت عُمان أن تذكّر العالم بأن أصعب انتصار دبلوماسي هو أن تنتهي الأزمة قبل أن تبدأ الحرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*