مقال | عُمان في مرآة ابن خلدون

د. قاسم بن محمد الصالحي |

حين نقرأ ابن خلدون في عُمان، لا نحتاج إلى البحث عن تطابق حرفي بين “المقدمة” وتجربتنا التاريخية؛ يكفي أن نضع أسئلته الكبرى أمام هذه التجربة لنكتشف حواراً لافتاً بينهما. فقد انشغل ابن خلدون بالعمران، وبنشوء الدولة، وبالعلاقة بين المجتمع والموارد والسلطة، وبأثر التجارة والبيئة في حياة الناس. وهي أسئلة عرفتها عُمان في تاريخها بوصفها شروطاً للحياة والاستقرار.

ولعل الفلج أكثر المشاهد العُمانية قدرة على اختصار هذا المعنى.

في قرية عُمانية، يبدأ النهار بماء يعرف الناس حقوقهم فيه. ليس الفلج مجرى للماء فحسب؛ إنه نظام لإدارة مورد مشترك، يقوم على قواعد دقيقة للتوزيع، ومسؤوليات للصيانة، وأعراف لتنظيم الخلاف. هنا يصبح الماء جزءاً من نظام اجتماعي كامل. وهذا بالضبط ما يجعل المشهد قريباً من سؤال ابن خلدون عن العمران: كيف يحوّل المجتمع مورداً محدوداً إلى حياة مستقرة ومتواصلة؟.

والأهم أن الفلج يكشف، في صورته البسيطة، عن حاجة العمران إلى التنظيم. فالماء إذا تُرك للتنافس تحول إلى سبب للنزاع، أما حين تحكمه قواعد معلومة فيصبح أساساً للزراعة والسكن والسوق. ومن هنا يمكن أن نرى في التجربة العُمانية مثالاً حياً على فكرة خلدونية أساسية: الموارد وحدها لا تصنع العمران؛ وإنما تصنعه القدرة على تنظيمها وحماية المصالح التي تقوم عليها.

ثم تتسع صورة العمران من القرية إلى الساحل. فقد جعل البحر عُمان جزءاً من حركة التجارة والاتصال بين الموانئ والمجتمعات. وكانت حركة السفن والسلع والأفكار توسع المجال الاقتصادي والاجتماعي للدولة. وفي هذا أيضاً نجد صدى لاهتمام ابن خلدون بالتجارة والكسب وأثرهما في ازدهار المدن وقوة العمران.

ومن هنا تبدو الدولة العُمانية، في مسارها التاريخي، أكثر من إطار سياسي؛ إنها حصيلة تراكم طويل من الخبرات في إدارة الماء والأرض والسوق والميناء والمجتمع. ومع انتقال عُمان إلى الدولة الحديثة، تغيرت الأدوات واتسعت وظائف الدولة، لكن السؤال الأساسي بقي قريباً من السؤال الخلدوني: كيف نحول الموارد إلى قدرة على الاستمرار؟.

وهنا فقط يمكن أن نلمح، دون تحميل التاريخ أكثر مما يحتمل، إلى بعض ملامح الحاضر العُماني. فكما احتاج العمران القديم إلى تنظيم موارده وحماية طرق تجارته، تحتاج الدولة الحديثة إلى مؤسسات كفؤة، واقتصاد متنوع، واستقرار يسمح بالتنمية. وحتى السياسة الخارجية يمكن أن تُقرأ، في أحد وجوهها، باعتبارها جزءاً من حماية هذه البيئة الأوسع، لا باعتبارها امتداداً مباشراً لنظام قديم.

لهذا فإن حضور ابن خلدون في عُمان لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بمفكر عربي كبير؛ بل يمكن أن يكون مناسبة لقراءة التجربة العُمانية نفسها من خلال أسئلته.

فالفلج يروي قصة إدارة الماء، والسوق قصة تنظيم المصالح، والبحر قصة اتساع الحركة، والدولة قصة جمع هذه الخيوط في عمران قابل للاستمرار.

وهنا تظل “المقدمة” حاضرة لا بوصفها كتاباً من الماضي، وإنما بوصفها سؤالاً مفتوحاً أمام الحاضر: ما الذي يجعل العمران يستمر؟. وما الذي ينبغي أن نضيفه اليوم إلى ما بناه الآباء، حتى يكون لعُمان القادمة عمرانها الخاص؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*