مقال | حين تصبح الكلمة ناراً

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في أزمنة التصعيد، لا تحتاج الأمة إلى كثير من السلاح كي تتسع شقة الخلاف؛ أحياناً تكفي كلمة. كلمة تُقال في لحظة غضب، أو خبر لا نعرف صحته، أو وصف يُلقى على جماعة بأكملها، ثم تتلقفه المنصات حتى يصبح موقفاً، والموقف خصومة، والخصومة قطيعة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نعود إليه في هذه الأيام هو سورة الحجرات؛ فهي لا تقدم لنا درسًا في الأخلاق الفردية فحسب، وإنما تضع دستورًا صغيرًا لحماية المجتمع من التفكك.

تبدأ بالسخرية واللمز والتنابز بالألقاب: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾. ثم تنتقل إلى أخطر أبواب الفتنة: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ﴾، ثم: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً﴾.

إنها سلسلة واحدة: يبدأ الأمر باستهانة بالآخر، ثم سوء ظن، ثم البحث عن عثراته، ثم الحديث عنه في غيابه، ثم يتحول الكلام إلى خصومة اجتماعية.

ولهذا جاءت صورة الغيبة شديدة الوضوح: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾.

ما أقسى أن يصبح الإنسان في غياب أخيه شجاعًا عليه، وأن يصبح الهاتف والمنصة مجلساً مفتوحاً لتوزيع الاتهامات والنعوت. والأسوأ أن ننسى أن النميمة ليست مجرد نقل كلام؛ إنها نقل للخصومة نفسها من مكان إلى مكان، وإعطاؤها عمراً لم تكن تستحقه.

لكن القرآن لا يكتفي بالنهي. ففي اللحظة التي يوشك فيها المجتمع أن ينقسم، يضع أمامه طريقًا آخر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.

هذه كلمة تستحق أن تُرفع فوق كل خلاف: فأصلحوا. لم يقل: زيدوا الخصومة، ولا: انتصروا لفريق، بل أصلحوا.

ثم تأتي الخاتمة الأوسع: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. 

فالاختلاف في اللون والقبيلة والوطن والثقافة والمذهب ليس دعوة إلى التناحر، وإنما إلى التعارف. ومعيار التفاضل ليس ما نرثه من أسماء وانتماءات، وإنما ﴿أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

في موجات التصعيد التي تمر بها الأمة، قد لا نستطيع أن نوقف حربًا أو نحل خلافًا سياسيًا بكلمة، لكننا نستطيع ألا نكون جزءاً من النار.

قبل أن نعيد نشر خبر، لنتثبت. وقبل أن نشهر بأخ، لنتريث. وقبل أن نعمم خطأ فرد على جماعة، لنتذكر أن الإنسان أكبر من زلته.

فالأمم لا تتماسك لأنها لا تختلف؛ بل لأنها تعرف كيف تختلف دون أن تهدم ما يجمعها.

وفي زمنٍ أصبحت فيه أصابعنا ألسنة، ربما يكون أعظم ما نقدمه لأمتنا أن نتعلم متى نتكلم، ومتى نصمت، ومتى نصلح.

فليست كل كلمة تُقال شجاعة؛ أحياناً تكون الحكمة أن نمنع الكلمة من أن تصبح ناراً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*