محمود النشيط |
إعلامي بحريني متخصص في الإعلام السياحي
متابعة لما ذكر في الجزء الأول … الانتقال من «السياحة الجماهيرية» إلى «السياحة النوعية» والتي تفرض المنافسة السياحية العالمية والتي تتغير. حيث كان في السابق الوجهات تتنافس على جذب أكبر عدد ممكن من السياح، أما اليوم فأصبحت المنافسة أكثر تعقيداً، والغلبة لمن يستطيع جذب السائح المناسب الذي يبحث عن تجربة أصيلة، ويستطيع تحمل تكلفتها، ويقيم فترة أطول، وينفق على أكثر من منتج، ويعود مرة أخرى.
وهنا تبرز أهمية تطوير المنتجات السياحية وليس الاكتفاء بالترويج للوجهة، فلا يكفي أن تقول الدولة: «لدينا طبيعة جميلة»، بل يجب أن تحول الطبيعة إلى تجربة قابلة للبيع. ولا يكفي امتلاك مواقع تاريخية وأثرية؛ بل يجب تحويلها إلى منتجات ثقافية متكاملة، ولا يكفي امتلاك شواطئ؛ بل يجب بناء منظومة من الأنشطة البحرية والضيافة والمطاعم والترفيه والرياضات والفعاليات.
إن التحدي العربي الحاصل هو مطاردة الأرقام دون العوائد، وهي مؤشرات بينتها العديد من الوجهات العربية رغم إنها تمتلك مقومات استثنائية مثل التاريخ، الثقافة، الطبيعة، الشواطئ، السياحة الدينية، المغامرات، الصحراء، الفعاليات، والضيافة. لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المقومات إلى منتجات سياحية ذات قيمة مضافة. وهنا يجب إعادة النظر في بعض المؤشرات التي تستخدمها المؤسسات السياحية عند تقييم نجاحها.
بدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن كم عدد السياح؟. يجب أن تسأل: كم متوسط إنفاق السائح؟، كم متوسط مدة الإقامة؟، كم ينفق خارج الفندق؟ ، ما نسبة الإنفاق الذي يصل إلى المؤسسات والمجتمعات المحلية؟، كم تبلغ نسبة السياح العائدين؟، كم وظيفة نوعية خلقها القطاع؟، وما العائد الحقيقي على الاستثمار السياحي؟ وبعد الإجابة تتضح الصورة أكثر والرقم الكبير قد يخفي قصة صغيرة قد تحقق وجهة ما عشرة ملايين زيارة، لكنها تعاني في الوقت نفسه من انخفاض متوسط الإنفاق، وقصر مدة الإقامة، وتسرب جزء كبير من العوائد إلى خارج الاقتصاد المحلي.
وفي المقابل، قد تستقبل وجهة أخرى عدداً أقل بكثير من الزوار، لكنها تحقق إيرادات سياحية أعلى، وتخلق وظائف أفضل، وتدعم المشاريع الصغيرة، وتحافظ على مواردها الطبيعية والثقافية. لذلك فإن عدد السياح يجب أن يكون أحد مؤشرات النجاح، وليس مؤشر النجاح الوحيد. وهذه ليست دعوة إلى التخلي عن السياحة الجماهيرية، وإنما دعوة إلى تحقيق التوازن بين الحجم والقيمة.
المؤشرات تبين أن الشرق الأوسط أمام فرصة جديدة، وتؤكد ذلك بيانات ” WTTC ” أن قطاع السفر والسياحة في الشرق الأوسط ساهم بنحو 385.8 مليار دولار في الناتج المحلي خلال 2025، ودعم نحو 7.1 ملايين وظيفة، كما نما إنفاق الزوار الدوليين في المنطقة بنسبة 5.2 % هذه الأرقام تعكس ضخامة الفرصة، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام الحكومات والقطاع الخاص مسؤولية أكبر.
السائح الذي نريده ربما حان الوقت لكي تتغير لغة الخطاب السياحي العربي، وبدلاً من أن نحتفل فقط بوصول «المليون سائح»، علينا أن نعرف: من هو هذا السائح؟. ماذا يريد؟. كم ينفق؟. كم يقيم؟. ما الذي يشتريه؟. ما الذي يراه؟. وما الذي يجعله يعود؟، لأن السائح في نهاية المطاف ليس مجرد رقم يعبر الحدود ويظهر في إحصائية نهاية العام. إنه مستهلك، ومستثمر غير مباشر، وسفير للوجهة، ومحرك لسلسلة اقتصادية كاملة.
ومن هنا يمكن القول في الخلاصة (مليون سائح لا يساوي مليون سائح)، فالقيمة الحقيقية للسياحة لا تكمن في عدد الذين يدخلون البلد فقط، وإنما في حجم الأثر الذي يتركونه عندما يغادرون. وربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي يجب أن تطرحه السياحة العربية في المرحلة المقبلة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة