مقال | عُمان وكازاخستان.. حين تلتقي الجغرافيا بالدبلوماسية

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست زيارة الدولة التي يبدأها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه، إلى كازاخستان مجرد محطة جديدة في سجل العلاقات الخارجية لسلطنة عُمان؛ فبعض الزيارات لا تقاس بمسافتها على الخريطة، وإنما بما تفتحه من آفاق في التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.

وعلى الرغم من أن عُمان تقع عند أقصى الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية، فيما تستقر كازاخستان في قلب آسيا الوسطى، فإن بين البلدين قاسماً مشتركاً أعمق من القرب الجغرافي: الإدراك المبكر لقيمة الموقع، والقدرة على تحويل الجغرافيا إلى جسور لا إلى حدود.

كازاخستان، منذ استقلالها عام 1991، بنت سياستها الخارجية على الانفتاح وتعدد الشراكات، مستفيدة من موقعها بين قوى كبرى متجاورة، وحريصة على أن تكون صلة وصل بين الشرق والغرب. أما عُمان، فقد راكمت عبر تاريخها البحري الطويل خبرة مختلفة في إدارة الجغرافيا؛ فمن سواحل مسقط وصحار وصلالة امتدت السفن العُمانية إلى الهند وشرق أفريقيا وآسيا، فكان البحر مجالاً للتجارة والتواصل والتعارف، قبل أن يكون مجالًا للتنافس.

ولعل هذه الذاكرة التاريخية تمنح العلاقة بين مسقط وأستانا معنى يتجاوز الأرقام. فكلا البلدين ينظر إلى موقعه بوصفه أداة اتصال. كازاخستان نافذة آسيا الوسطى على العالم، وعُمان بوابة بحر العرب والمحيط الهندي؛ وبينهما يمكن أن تنشأ مسارات جديدة للتجارة والاستثمار والطاقة والغذاء واللوجستيات.

وفي هذا السياق تكتسب الزيارة أهمية خاصة؛ لأنها تأتي بعد سنوات من تنامي الاتصالات بين البلدين، وتدفع بالعلاقة من مستوى التعاون التقليدي إلى آفاق أوسع من الشراكة الاقتصادية والسياسية.

وهنا تبرز الدبلوماسية العُمانية المرنة، لا باعتبارها بحثًا عن النفوذ، وإنما باعتبارها قدرة على تنويع العلاقات من دون تحويلها إلى اصطفافات، وفتح الأبواب من دون إغلاقها في وجه أحد. فهي دبلوماسية ترى في الاختلاف مساحة للحوار، وفي الموقع فرصة للتواصل، وفي المصالح المشتركة أساساً للاستقرار.

وفي عالم تتغير فيه خرائط القوة، وتُعاد فيه صياغة طرق التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، تبدو العلاقة العُمانية–الكازاخستانية مرشحة لأن تكون نموذجاً لشراكة تنطلق من الجغرافيا، لكنها لا تتوقف عندها.

فمن بحر عُمان إلى قلب آسيا، لا تلتقي دولتان بعيدتان فحسب؛ بل تلتقي ذاكرتان بحريتان وبرية، وتجربتان في إدارة الموقع، ورؤيتان تؤمنان بأن أفضل الجسور هي تلك التي تبقى مفتوحة في زمن التحولات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*