مقال | لأننا لا نرى الحكاية كلها

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في حياة كل إنسان بابٌ أُغلق في وجهه، وحلمٌ تأخر، وطريقٌ ظنه إلى النجاة فإذا به يقوده إلى جهة أخرى. وفي اللحظة التي يحدث فيها ذلك، نقف حائرين أمام القدر، نبحث عن تفسير سريع، كأن القلب لا يستطيع أن يطمئن إلا إذا عرف السبب.

لكن القرآن يضع أمامنا معنى أعمق للصبر، في قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}.

لم يقل: كيف تصبر على ما تكره، وإنما قال: ما لم تُحط به خبرًا. وكأن الإنسان كثيرًا ما يعجز عن الصبر، لا لأن المصيبة أكبر من احتماله، وإنما لأنه لا يرى من الحكاية إلا صفحتها الأولى.

نحن نرى اللحظة، والله يعلم القصة كلها.

وهذه واحدة من أكثر الحقائق التي يحتاجها شبابنا اليوم. فالشاب الذي تأخرت وظيفته، أو تعثر مشروعه، أو تأخر زواجه، قد يظن أنه تأخر عن الحياة. يرى أقرانه يتقدمون، فيقارن بدايته بنهايات الآخرين، وينسى أن لكل إنسان موعده وطريقه. ولعل ما يراه اليوم تأخرتً يكون غداً هو السبب الذي أوصله إلى المكان الذي لم يكن يحلم به.

لقد أصبحنا مجتمعًا قليل الصبر على النتائج، سريع الحكم على الأشخاص والأحداث. نريد كل شيء الآن: نجاحاً سريعاً، وزواجاً سريعاً، ورزقاً سريعاً، وإجابة سريعة. وحين تتأخر الأشياء، يبدأ القلق، ثم المقارنة، ثم الاعتراض الصامت على الحياة.

حتى بيوتنا لم تسلم من هذا الاستعجال. خلافٌ بسيط بين زوجين قد يتحول إلى قطيعة، لأن كل طرف يريد أن ينتصر في اللحظة، ولا يمنح الآخر ولا نفسه فرصة لتهدأ العاصفة. وأبٌ قد يقسو على ابنه لأنه لم يحقق ما كان يتوقعه، بينما يحتاج الابن في تلك اللحظة إلى أبٍ يؤمن به أكثر مما يحتاج إلى أبٍ يحاكمه.

الصبر ليس استسلامًا، ولا يعني أن نتوقف عن السعي. الصبر أن نعمل ما نستطيع، ثم نترك للأيام أن تكشف ما لم نستطع رؤيته.

كم من بابٍ بكيناه لأنه أُغلق، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنه كان يحمي خطواتنا من طريق لم يكن لنا. وكم من تأخير ظنناه حرمانًا، فإذا به ترتيبٌ آخر للحياة.

لذلك، ربما لا نحتاج دائماً إلى إجابة عن سؤال: لماذا؟. بقدر حاجتنا إلى الثقة بمن يملك الإجابة.

أن نقول: يا رب، لا أفهم، لكنني أثق بك.

تلك ليست هزيمة للعقل، بل راحة للقلب.

فالحياة رواية لا يقرأ الإنسان منها إلا الصفحة التي يقف عليها، أما الحكمة، فكثيراً ما تتجلى في الصفحات التالية.

ولهذا، حين يضيق بك ما حدث، اصبر قليلاً.

فربما لم تُحط بالحكاية خبراً بعد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*