مقال | عُمان.. قوة الهدوء في زمن الصخب

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليست عُمان من البلاد التي تحب أن ترفع صوتها لتسمع الناس أنها موجودة، ولا من الدول التي ترى في كثرة الكلام دليلاً على قوة الرأي. وإنما عرفت، منذ عرفت نفسها، أن للدول كما للأفراد فضائل لا تظهر في الصياح، وأن من الحكمة ما يكون في الصمت أكثر مما يكون في الخطب الطوال.

ولذلك كان شأن عُمان في سياستها الخارجية شأن رجل عاقل، جلس بين قوم اختلفوا، فلم يزد اختلافهم اختلافاً، ولم ينضم إلى هذا على ذاك، وإنما حاول أن يعرف لكل امرئ حقه، ولكل قضية موضعها، وأن يفتح باباً للكلام حيث أوشك الناس أن يغلقوا الأبواب كلها.

وهذه هي المسألة التي ينبغي أن نفهم بها عُمان، لا بما يقال عنها في لحظة غضب، ولا بما تكتبه منصات تريد أن تجعل العالم فريقين: معنا أو علينا.

لقد اختارت عُمان منذ زمن بعيد أن تكون على صلة بالجميع، وأن تحتفظ لنفسها بحق الاختلاف مع الجميع. فهي جارة لإيران، ولا ترى في الجوار جريمة. وهي شقيقة لدول الخليج، ولا ترى في الأخوة ذوباناً للقرار. وهي صديقة للولايات المتحدة، ولا ترى في الصداقة تبعية. وهي صاحبة موقف ثابت من القضية الفلسطينية، ولا ترى في ذلك سبباً لقطع جسور التواصل مع من تختلف معهم.

وهنا بالذات تظهر قيمة السياسة العُمانية.

فإن الدول الكبيرة تستطيع أحياناً أن تفرض إرادتها بالقوة، أما الدولة التي لا تملك تلك القوة فعليها أن تبحث عن شيء آخر: أن تجعل من العقل قوة، ومن الثقة رأس مال، ومن الموقع الجغرافي أداة سياسية، ومن قدرتها على الحديث مع الخصوم قيمة لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنها.

ولذلك لم يكن عجيباً أن تصبح مسقط في أوقات الأزمات مكاناً يلتقي فيه الذين لا يستطيعون أن يلتقوا في غيرها. فحين تضيق العواصم بالخصومة، تتسع مسقط للحوار؛ وحين تتعقد الحسابات، تحاول الدبلوماسية العُمانية أن تبحث عن الخيط الذي يمكن أن يُمسك به قبل أن ينقطع.

لكن هذه السياسة، مع ما فيها من حكمة، ليست بلا ثمن.

فإن الدولة التي ترفض أن تكون تابعًا لمحور، قد تثير ريبة أصحاب المحاور. والدولة التي تفتح بابها للخصم والصديق معاً قد يسيء بعض الناس فهمها، فيظنون أن من يتحدث مع خصمهم قد صار خصماً لهم.

وهنا يجب أن نكون أكثر عقلاً من أن نصدق كل ما يقال.

ليس كل نقد لعُمان مؤامرة، كما أن ليس كل ضغط عليها مصادفة. وليس من الحكمة أن ننسب إلى الآخرين حقداً لمجرد أنهم اختلفوا مع مسقط؛ ولكن من الحكمة أيضاً ألا نغفل أن استقلال القرار في منطقة شديدة الاستقطاب له كلفة، وأن الحفاظ على مسافة واحدة من المتخاصمين ليس أمراً يسيراً حين يريد كل طرف أن يجذبك إلى صفه.

ومن هنا فإن أخطر تحدٍ يواجه عُمان ليس في أن تُحاصر عسكرياً، ولا في أن تُحاصر اقتصادياً فحسب، وإنما في أن تُدفع شيئاً فشيئاً إلى التخلي عن ميزتها الكبرى: الاتزان.

فإذا دخلت عُمان لعبة المحاور فقدت جزءاً من قدرتها على الوساطة. وإذا تحولت إلى دولة ردود أفعال، فقدت شيئاً من قدرتها على المبادرة. وإذا سمحت للضجيج أن يحدد سياستها، فقدت ذلك الشيء النادر الذي راكمته خلال عقود: ثقة الخصوم قبل ثقة الأصدقاء.

إن عُمان لا تحتاج إلى أن تثبت أنها أقوى من الآخرين؛ وإنما تحتاج إلى أن تظل عُمان.

تلك الدولة التي لا تبحث عن المجد في عدد الحروب التي دخلتها، بل في عدد الحروب التي ساعدت على منعها؛ ولا تقيس نفوذها بعدد الدول التي تخشاها، وإنما بعدد الأطراف التي تثق بأن بابها سيظل مفتوحاً حين تغلق الأبواب.

ولعل أعظم ما ينبغي أن ندركه اليوم أن الهدوء العُماني ليس ضعفاً، وأن عدم الصخب ليس غياباً، وأن عدم الانضمام إلى كل معركة ليس جبناً.

فقد يكون من الحكمة أن تعرف متى تتقدم، ولكن الحكمة الأكبر أن تعرف متى لا ينبغي أن تتقدم.

وهكذا تمضي عُمان في عالم مضطرب: لا تدعي أنها تملك مفاتيح العالم، لكنها تحرص على ألا يفقد العالم مفاتيح الحوار.

وهذه، في زمنٍ أصبح فيه الجميع يتحدثون، قد تكون أعظم قوة يمكن لدولة أن تملكها: أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومع من تتكلم، ولماذا؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*